مفارقـة تتفق كل الدراسات الاقتصادية والإحصائيات الرسمية على أن المقاولات متناهية الصغر والصغيرة جدا والصغرى هي العمود الفقري للنسيج الاقتصادي الوطني، وتمثل الغالبية الساحقة، وتعتبر خزانا لمناصب الشغل، خاصة للشباب. المفارقة أنه أمام الإجماع الحاصل بشأن الأهمية الحيوية لهذه الوحدات الإنتاجية، نجد أنها تظل الفئة الأكثر إقصاء وتهميشا من وسائل النمو والتطور والدعم الفعال. إن الهيمنة العددية لا تترجم إلى قوة اقتصادية حقيقية، لأن الأغلبية الساحقة من هذه الشركات تعاني هشاشة بنيوية مزمنة، تنجم بشكل أساسي عن الغياب الفعلي للسياسات العمومية الموجهة لدعم تطورها. تتكرر الإشادة الحكومية طيلة سنوات بالمقاولات متناهية الصغر والصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، باعتبارها قاطرة للتنمية وخزانا للتشغيل. لكن يتم، على أرض الواقع، وضع هذه المقاولات في مواجهة مباشرة مع بيئة أعمال تفضل الكيانات الأكبر والأكثر رسوخا. تقرر إطلاق برامج تمويل حكومية، لكن شروط الولوج إليها تظل إقصائية، إذ تتطلب تحقيق رقم معاملات معين، لا تصل إليه أغلب هذه المقاولات، كما يتطلب التمويل العادي تقديم ضمانات أو وثائق أو سجلات محاسبية معقدة لا تستطيع المقاولات متناهية الصغر، التي تعاني نقصا في الهيكلة، توفيرها. وتتحول هذه البرامج، عمليا، إلى دعم للمقاولات المتوسطة والكبرى، من خلال فروعها، وليس لمن هم في أمس الحاجة. الصفقات العمومية التي يمكن أن تمثل أنبوب أوكسيجين بالنسبة إلى هذه الوحدات لإنعاشها، بتخصيص نسبة منها لهذه الوحدات، ما تزال تنتظر الأجرأة، إذ منذ 2013 تم التنصيص على تخصيص 20 في المائة منها للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، دون إصدار النصوص التي تحدد كيفية التنزيل. بالموازاة مع ذلك، تستنزف البيروقراطية والإجراءات الإدارية المعقدة وقت وجهد المقاولين الصغار، ما يشتت تركيزهم عن النشاط الإنتاجي الحقيقي. إن تهميش هذه الشريحة من المقاولات له ثمن اقتصادي واجتماعي باهظ، يتجلى في الهروب إلى القطاع غير المهيكل، فعندما تفشل المقاولة الصغيرة في الحصول على التمويل والدعم، تجد نفسها مجبرة على البقاء في القطاع غير المهيكل هربا من التكاليف والالتزامات، ما يعيق نموها، ويحرم الدولة من مداخيل ضريبية. كما أن غياب برامج مواكبة متخصصة في التكنولوجيا والتحول الرقمي يبقي هذه المقاولات رهينة لأساليب العمل القديمة، ويجعلها غير قادرة على التنافس أو الاندماج في سلاسل القيمة العالمية والمحلية. وتحدث المقاولات الصغيرة جدا فرص عمل كثيرة، لكنها، غالبا، ما تكون مؤقتة وهشة بسبب نقص استقرارها المالي. ولن يتحول هذا التشغيل إلى تشغيل مستدام ولائق إلا عبر تأمين بقاء ونمو هذه المقاولات. يجب أن يعي الجالسون في مواقع القرارأن دعم هذه الوحدات الإنتاجية لا يقتصر على إطلاق برامج للاستهلاك الإعلامي، بل يرتكز على إصلاح عميق لحكامة هذا الملف، بالإلمام بكل الجوانب لمعرفة دقيقة بالاحتياجات الخاصة لهذه الفئة من المقاولات. إن الاستمرار في تجاهل الأغلبية الساحقة من نسيجنا المقاولاتي يعني أننا ندور في حلقة مفرغة من الأداء الاقتصادي المتذبذب. لقد حان الوقت لتتحول المقاولات متناهية الصغر والصغيرة جدا من مجرد مادة للخطابات السياسية إلى برنامج عمل اقتصادي حقيقي، ينهي المفارقة التي تميز التعامل مع هذه الوحدات الإنتاجية. عبد الواحد كنفاوي