الممرات اللوجستيكية الحديث عن الاندماج الإفريقي ليس شعارا سياسيا أو هدفا دبلوماسيا، بل أصبح ضرورة اقتصادية وإستراتيجية ملحة. ففي عالم تتشابك فيه المصالح وتتكتل فيه القوى الاقتصادية، تظل القارة الإفريقية ذات الإمكانيات الهائلة معزولة، بفعل ضعف البنية التحتية اللوجستيكية وعدم ترابط أسواقها. ويبرز، في هذا الباب، دور الممرات اللوجستيكية، باعتبارها شرايين حيوية لا غنى عنها لتحويل هدف الاندماج من مستوى النوايا إلى واقع ملموس. إن الممرات اللوجستيكية، سواء كانت برية أو بحرية أو جوية، هي أكثر من مجرد طرق، بل آليات لتكسير الحواجز التجارية والبيروقراطية، وتسهيل حركة الأشخاص والسلع ورؤوس الأموال، وبالتالي تحقيق الاندماج الاقتصادي الإقليمي، الذي يعد الركيزة الأساسية للتنمية المشتركة. ويواجه الاندماج الإفريقي تحديا كبيرا يتمثل في أن التجارة البينية الإفريقية لا تزال عند مستويات متدنية مقارنة بالتكتلات القارية الأخرى. ويعود جزء كبير من هذا القصور إلى تكلفة النقل المرتفعة، إذ أن ضعف الطرق والموانئ وقلة الروابط المباشرة يضاعف كلفة نقل البضائع بين الدول الإفريقية، ما يجعل الاستيراد من آسيا أو أوروبا، أحيانا، أرخص من الاستيراد من دولة إفريقية مجاورة. كما أن البيروقراطية تؤدي إلى تأخيرات زمنية طويلة في التخليص الجمركي، ما يعيق سلاسة ممرات الإمداد. وهنا يأتي الدور الحيوي لتطوير ممرات عابرة للحدود تلتزم بمعايير دولية وتخفض من الزمن والكلفة اللوجستيكية، ما يمكن من تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. إن موقع المغرب الجغرافي، باعتباره بوابة بين أوروبا وإفريقيا، يمنحه مسؤولية وريادة في بناء هذه الممرات. لقد أظهرت المملكة، عبر رؤيتها الإستراتيجية، التزاما قويا تجاه العمق الإفريقي، ليس فقط عبر الدبلوماسية، بل عبر الاستثمار الهيكلي الذي يخدم الاندماج. ويعد ميناء طنجة المتوسط مثالا للمحاور اللوجستيكية العالمية القادرة على ربط إفريقيا بأسواق العالم، ما يجعله نقطة انطلاق أساسية نحو دول غرب إفريقيا. كما أن ميناء الداخلة، الذي يوجد في طور الإنجاز، سيجعل المغرب محورا لوجستيكيا إقليميا، يرسخ مكانته، باعتباره جسرا أطلسيا. كما أن مشروع خط أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي المغرب – نيجيريا، يعد من المشاريع العابرة للقارات ونموذجا للممر اللوجستيكي الطاقي الذي سيربط 13 دولة إفريقية ويرسخ التعاون جنوب-جنوب، ما يفتح آفاقا جديدة للتنمية الاقتصادية. بالموازاة مع ذلك، فإن الاستثمارات المغربية في البنوك والاتصالات وشركات النقل الجوي والبحري في غرب ووسط إفريقيا ساهمت في إنشاء شبكة شرايين مالية ولوجستيكية تعزز الترابط البيني. لا يمكن تحقيق نهضة إفريقية شاملة دون تكامل لوجستيكي، والمغرب، بفضل بنيته التحتية المتقدمة من طرق سيارة وسريعة وموانئ وسكك حديدية وشبكة علاقات واسعة جنوب الصحراء، مؤهل للعب دور الجسر والمنسق لهذا الاندماج. يجب على السياسات العمومية المغربية أن تستمر في هذا المسار، وأن تضع في صلب استثماراتها اللوجستيكية هدفا واضحا، تسهيل حركة التجارة البينية الإفريقية، والعمل على توحيد المعايير الجمركية والتنظيمية مع الشركاء الأفارقة. إن الممرات اللوجستيكية ليست رفاهية، بل هي ضرورة وجودية لتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية، وتحويل التنوع الإفريقي من تحد إلى قوة اقتصادية. عبد الواحد كنفاوي