جفاف السياسات عبد الواحد كنفاوي تتعاقب السنوات، وتتغير الإستراتيجيات الفلاحية، وتضخ ملايير الدراهم في مشاريع تأهيل القطاع، إلا أن نقطة الضعف القاتلة تظل قائمة، بل تتفاقم، تتمثل في ارتهان الأداء الفلاحي الوطني بشكل شبه مطلق بالتساقطات المطرية. لقد كشفت سنوات الجفاف المتتالية، التي شهدها المغرب، حقيقة صادمة، أن الملايير التي أنفقت في بناء السدود، لم تتمكن من توسيع المساحات المسقية وتحويل القطاع الفلاحي إلى قاطرة للاقتصاد وضامن للأمن الغذائي، إذ كان يفترض أن توسع دائرة الزراعات السقوية، من خلال الاستثمار في تجهيز الأراضي المحيطة بالسدود، التي يتم إنشاؤها بقنوات الري، لكن، للأسف، فإن نسبة التجهيز تظل ضعيفة، مقارنة بالإمكانيات المتاحة. النتيجة أن ملايير الدراهم التي أنفقت على بناء هذه المنشآت المائية، لم يكن لها الأثر الملموس، وظلت الفلاحة مرتهنة بالتساقطات. إن هذا الفشل في فك الارتباط بين الفلاحة والتقلبات المناخية يعتبر إخفاقا إستراتيجيا لعقود من السياسات العمومية، التي لم تنجح في تطبيق جوهر الحكامة المائية. إن جوهر الإخفاق ليس في نقص الاستثمار، بل في سوء توجيهه، إذ سمحت السياسات الفلاحية بتطوير زراعات تستنزف الفرشة المائية بشكل غير مستدام، وغالبا ما تكون موجهة بالكامل للتصدير، مثل بعض الفواكه الحمراء والخضر. هذه الزراعات، التي تدر عائدا على المصدرين وتجلب العملة الصعبة للبلاد، تساهم في استنزاف المخزون المائي الإستراتيجي للبلاد، وتفاقم الجفاف في مناطق كانت تعتمد على المياه الجوفية للشرب والزراعات المعيشية. وتحولت الفلاحة إلى رهان خطير، إذ يتم استثمار أغلى مورد وطني الماء، في سلع ليست ذات أولوية لجل المغاربة، مقابل التضحية بالأمن الغذائي والاجتماعي لملايين الفلاحين الصغار، الذين يعتمدون على الأمطار لإنتاج الحبوب. إن الإخفاق في فك الارتباط بين الأداء الفلاحي والمطر، يضع السيادة الغذائية الوطنية على المحك كل موسم جاف. الجفاف أصبح معطى هيكليا، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمغرب والاستمرار في السياسات نفسها، يعني أننا سنظل رهينة لتقلبات المناخ. الحل ليس في ضخ المزيد من الأموال، بل في إرادة سياسية حقيقية تحرر قطاعنا الحيوي من هذا الارتهان، وتثمن كل قطرة يتم استعمالها. تعبأ ميزانيات ضخمة لدعم إنتاج سلع تصديرية تتطلب كميات هائلة من المياه، بينما يتم إهمال الفلاحة العائلية المنتجة للحبوب والمنتوجات الفلاحية المستهلكة من قبل أغلب المغاربة، ما يضطرنا إلى الاعتماد على الاستيراد لتوفير الغذاء الأساسي. هذا الإخفاق يعرض البلاد لصدمات الأسعار العالمية ويقوض السيادة الغذائية. الجفاف لا يهم التساقطات المطرية، فحسب، بل يشمل أيضا السياسات العمومية الفعالة، القادرة على معالجة إشكالية المياه التي تعانيها الفلاحة بالمغرب، إذ أن كل البرامج والمخططات المعتمدة حتى الآن، لم تتمكن من معالجة المشاكل التي يتخبط فيها القطاع، بل إنها ساهمت في تفاقم الوضع أكثر. لقد انتهى زمن الرهان على الأمطار، ويتطلب الوضع تصحيحا فوريا يضع الحكامة المائية قبل منطق السوق والتصدير، وإلا فسنصبح أمام جفاف السياسات.