سؤال الحكامة عبد الواحد كنفاوي الأغنياء أكثر استفادة من اعتمادات الدعم المخصصة للمعوزين، وتعميم الدعم يستنزف موارد الميزانية العامة دون تحقيق الأهداف المرجوة، والاستهداف أنجع طريقة لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، مجموعة من المبررات التي يتم ترويجها، من أجل التخلي عن صندوق المقاصة منظومة الدعم الحالية. تبريرات معقولة ومقنعة، في ظاهرها، لكن تجارب تنزيلا على أرض الواقع، أبانت أن البدائل لم تكن أقل ضررا مما كان معمولا به في السابق. باسم الاستهداف تم إلغاء دعم الغازوال والبنزين، والتفكيك التدريجي لدعم غاز البوتان، الذي عرف في تطبيقه بزيادة 10 دراهم في أسعار القنينات من وزن 12 كيلوغراما، ستليها، بداية السنة المقبلة 10 دراهم أخرى، إلى أن يتم تحرير سعرها بالكامل. وباسم الاستهداف تم استبدال دعم محفظة الأدوات المدرسية التي كانت تمنح للأسر المعوزة، بدعم مالي في حدود 300 درهم، علما أن هذا المبلغ لا يكفي لاقتناء ربع ما تحتويه المحفظة. وتقررت، أيضا، إعادة النظر في الدعم المخصص للأرامل وغيرها من أشكال الدعم الأخرى بهدف توحيدها. لكن الملاحظ، حاليا، وجود تناقض صارخ بين حجم الإنفاق العمومي على الدعم وواقع التضخم المستمر الذي يلتهم مدخرات الأسر. هذا الوضع يشير بوضوح إلى أن سياسة الدعم المعتمدة تعاني خللا هيكليا في آليات التنزيل والاستهداف، إذ تحولت المنظومة من أداة للعدالة الاجتماعية إلى دعم غير فعال للقطاعات الاقتصادية على حساب المستهلك النهائي. لقد اعتمدت السياسات الأخيرة على ضخ دعم مالي ضخم ومباشر في قطاعات محددة، كاللوجستيك والنقل، والصناعات المرتبطة بالمواد الغذائية، بهدف تثبيت أسعار السلع الاستهلاكية. لكن التجربة أثبتت أن هذه الأموال لم تصل بالكامل إلى حيث كان يفترض أن تصل. الدعم غير المباشر يذهب لتعزيز هوامش الربح للوسطاء وكبار المنتجين والمستوردين، بدلا من أن ينعكس على السعر النهائي للمستهلك. لقد استفادت القطاعات الاقتصادية المعنية، لكن دون أن تترجم هذه الاستفادة إلى أسعار نهائية تناسب القدرة الشرائية للمواطن. ورغم الدعم الموجه لقطاع النقل والمدخلات، استمر ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، ما يؤكد أن الدعم لم ينجح في تقليص تداعيات التضخم على جيوب المواطنين. لم يقف الأمر عند الدعم غير المباشر، فمع الانتقال إلى سياسات الحماية الاجتماعية الجديدة، تم اعتماد آلية الدعم المباشر للأسر المستهدفة، من خلال التحويلات النقدية. ورغم أهمية هذا التحول، مبدئيا، لأنه يستهدف الفئة الأكثر حاجة، إلا أنه يواجه تحديين كبيرين يقوضان فعاليته. التحدي الأول يتمثل في أن قيمة الدعم المباشر المخصص للأسر تكون، في كثير من الأحيان، أقل بكثير من الزيادات المتتالية في أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية، خاصة بعد رفع الدعم عن المحروقات والمواد المدعومة سابقا. والتحدي الثاني يهم المقاربة المعتمدة في تحديد الفئات المستحقة للدعم، والذي يتم بناء على مؤشر تثير طريقة احتسابه لغطا كثيرا، بسبب حرمانها فئات واسعة مستحقة للدعم، ما دفع السلطات، حاليا، إلى الشروع في اعتماد معايير جديدة للاستفادة. إن فشل آليات الدعم المالي، سواء الموجه للقطاعات أو المباشر للأسر، في تحقيق الأهداف، يشير إلى أزمة حكامة عميقة، تتجلى في غياب آلية فعالة تضمن أن المال العام المخصص للدعم يترجم إلى خفض إجباري للأسعار. لابد من الاعتراف أن سياسة دعم أسعار الاستهلاك، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، هي ضرورة اجتماعية لمواجهة صدمات الأسعار العالمية وضمان الحد الأدنى من القدرة الشرائية. ولكن، عندما تعلن الحكومات عن ضخ ملايير الدراهم في منظومة الدعم، ثم لا يجد المواطن لها أي أثر على أسعار السلع في السوق، فإن الإشكالية تنتقل من مجرد "دعم مالي" إلى أزمة حكامة حقيقية تضرب عمق السياسات العمومية. إن الأموال المخصصة للدعم تضيع في مناطق رمادية، بسبب عيوب كثيرة في الحكامة.