التمويلات المبتذلة عبد الواحد كنفاوي التمويلات المبتكرة عبارة أصبحت تتردد كثيرا في النقاشات العمومية، لكثرة اللجوء إليها لتمويل احتياجات الميزانية، إذ تضاعفت قيمتها، خلال خمس سنوات الأخيرة بـ 1370 في المائة، نعم 1370 في المائة. ولمن يشكك في النسبة يمكنه الرجوع إلى معطيات وزارة الاقتصاد والمالية للتحقق من هذا الرقم، فاستنادا إلى هذا المصدر، نجد أن هذه الموارد انتقلت من مليارين و400 مليون درهم، خلال 2020، إلى 35.3 مليارا في السنة الماضية. وعرفت ارتفاعا متواصلا بين التاريخين، إذ ارتفعت، في 2021، إلى 11.9 في المائة، ثم تضاعفت بأزيد من مرتين في السنة الموالية، لتصل في 2023 إلى 25.5 مليارا، وتستقر عند حدود 35.3 مليارا في السنة الماضية. هذه الآلية أحدثت بمقتضى قانون المالية 2019، وتقضي بأن تفوت الدولة عقارات تؤوي تجهيزات عمومية لفائدة هيآت التوظيف الجماعي العقاري، والتي تشرف على تسييرها شركات تابعة للصندوق المغربي للتقاعد وصندوق الإيداع والتدبير والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. وتصبح الدولة، بمقتضى ذلك، مكترية لهذه التجهيزات بواسطة عقود كراء طويلة الأمد وفق وجيبة كرائية، على أساس أن يلتزم المالك الجديد بموجب عقود الكراء المذكورة بعدم تغيير طبيعة الاستعمالات المخصصة للتجهيزات العمومية المعنية. ولتقريب الصورة أكثر، فإن التمويلات المبتكرة، مثل شخص يبيع منزله فيحصل على مبلغ معين، لكنه يشترط على المقتني أن يستمر في الإقامة بمنزله، الذي باعه، مقابل واجب كراء يؤديه للمشتري. وتم بيع، حتى الآن، أصول عقارية كثيرة تابعة للدولة، مقابل الحصول على تمويلات تجاوزت، إلى غاية نهاية السنة الماضية، 107 ملايير درهم، منذ إنشاء هذه الآلية. وتضاعفت المبالغ بشكل ملحوظ منذ 2021، علما أنه ينتظر تحصيل ما لا يقل عن 20 مليار درهم في السنة المقبلة، حسب معطيات وثائق مشروع قانون 2026. هذا الإفراط في اللجوء إلى هذه الآلية يجد تبريره في مزاياها، إذ أن مداخيلها تصنف من قبل صندوق النقد الدولي على أنها موارد عادية، لا تحتسب ضمن القروض أو الموارد الاستثنائية، مثل الخوصصة، وعليه يمكن اللجوء إليها كلما دعت الضرورة إليها دون تأثير محاسبي على استدامة المالية العمومية، كما يمكن أن تساهم في تقليص عجز الميزانية. لكن إذا كانت هذه الموارد لا تؤثر سلبا، من ناحية المحاسبة الوطنية، على توازنات الميزانية، فإن تكاليفها ستكون باهظة مستقبلا، إذ أن العدد الكبير للمؤسسات والبنيات التي تم تفويتها في إطار هذه الآلية، سيجعل واجبات الكراء ثقيلة، ستنهك، لا محالة، ميزانيات السنوات المقبلة، علما أن كلفتها، خلال السنة الجارية، تصل إلى 7 ملايير درهم. وإذا كانت خدمة تكاليف الدين محدودة في الزمن، لأنها تنتهي بانتهاء مدة إرجاع القروض، فإن واجبات الكراء، الناتجة عن آلية التمويلات المبتكرة، ستظل قائمة ما دامت السماوات والأرض. وهكذا ستصبح هذه الموارد عبئا ومصدر استنزاف دائم للميزانية، وستتحول، بكثرة اللجوء إليها لتمويل خصاص الميزانية، إلى تمويلات مبتذلة.