فلاحة بسرعتين عبد الواحد كنفاوي فكرة المغرب يسير بسرعتين تتجلى بوضوح في السياسات الفلاحية المعتمدة، فمن جهة لدينا قطاع عصري، يحظى بأهمية خاصة، موجه إنتاجه نحو التصدير، وهناك في الجهة الأخرى فلاحة عائلية ومعاشية تعتمد على إمكانياتها الذاتية وتعاني كل أنواع التهميش. ركزت السياسة الفلاحية طيلة عقود على الفلاحة العصرية، التي خصصت لها اعتمادات بالملايير، مقابل تهميش وإقصاء الفلاحة العائلية التي تشكل، وفقاً للإحصائيات الرسمية، ما يناهز 70 في المائة من المساحة الإجمالية للأراضي الفلاحية. لكن رغم هيمنتها على مستوى المساحة، فإن نصيبها من الميزانية المخصصة للتنمية الفلاحية يظل بئيسا، ويمثل حوالي خمس الاعتمادات المالية المخصصة للفلاحة العصرية. وهكذا نجد أن الميزانية التي خصصت للفلاحة العصرية في المخطط الأخضر تجاوزت 90 مليار درهم، في حين خصص أقل من 20 مليارا للفلاحة المعاشية التضامنية. الأدهى من ذلك أن الاعتمادات المخصصة للصنف الأول صرفت بأكملها وتم إنجاز كل المشاريع المبرمجة لفائدتها، في حين أن ثلاثة أرباع البرامج المعتمدة لصالح الأنشطة الفلاحية الصغيرة لم تنجز، ومشاريع عديدة من الربع المتبقي من المشاريع كانت ما تزال في طور الإنجاز مع انتهاء المدة المحددة للمخطط، التي تم تمديدها سنتين. النتيجة، أن نسبة قليلة من الاستغلاليات الفلاحية حققت تطورا ملحوظا وأصبحت منتوجاتها، الموجهة أساسا للأسواق الخارجية، تنافس بشكل قوي الإنتاجات الفلاحية الأوربية، بفعل الأهمية التي حظيت بها في السياسات الحكومية، وبالمقابل هناك من الأراضي الفلاحية، خاصة بالمناطق الجبلية والنائية، ما تزال تعتمد على أساليب تقليدية ووسائل محدودة. إن هذا التناقض الصارخ بين برامج الدعم المخصصة للقطاع والمقاربة التنموية والواقع الميداني، يحول الفلاحة العائلية من ركيزة للاستقرار إلى قطاع هش يواجه الجفاف والتهميش بمفرده. كما أن تخصيص موارد مالية مهمة وغير مسبوقة لإنتاج منتوجات موجهة للتصدير، مثل الخضر والفواكه الموجهة لأوربا، على حساب الفلاحة الصغرى، التي تنتج المحاصيل الأساسية للسوق الداخلي، هو خيار إستراتيجي قصير النظر يقدم الربح العاجل على السيادة الغذائية الوطنية. الدور الأهم للفلاحة العائلية يتجاوز مجرد الإنتاج، ليصبح صمام أمان اجتماعيا واقتصاديا للمناطق القروية، فهذه الوحدات الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد على مجهود العائلة، هي المزود الرئيسي لفرص الشغل لسكان البوادي، التي تؤمن الدخل لملايين الأفراد بشكل مباشر أو غير مباشر، وتساهم في تثبيتهم في أراضيهم. ويشكل إهمال الفلاحة العائلية خطرا إستراتيجيا مباشرا على الأمن الغذائي للمغاربة، لأنها، ببساطة، هي التي تركز على المنتجات الغذائية الأساسية التي تغذي السوق المحلية، مثل الحبوب والزيتون والمواشي، والتي تعتبر ضرورية لتحقيق الاكتفاء الذاتي. وليس من العقلانية الاقتصادية في شيء أن نخصص الموارد المائية الشحيحة لإنتاج الفواكه الحمراء والأفوكا لأجل التصدير، في الوقت الذي نعتمد فيه بشكل كبير على استيراد الحبوب، والتي يمكن أن تنتجها الفلاحة العائلية لو حظيت بالدعم اللازم والتأطير المطلوب. باختصار شديد يجب ضبط السرعة التي يسير بها القطاع الفلاحي، لضمان تنمية متوازنة، تكفل جلب العملات الصعبة، وفي الوقت ذاته تضمن الأمن الغذائي الداخلي.