قضية مفاهيم عبد الواحد كنفاوي فشلت كل البرامج الموجهة إلى المقاولات متناهية الصغر والصغيرة جدا في تحقيق الأهداف المتوخاة منها، وما تزال نسبة كبيرة من هذا الصنف من المقاولات تعيش الهشاشة وتعاني مشاكل متعددة ومتنوعة، ما يطرح السؤال حول أسباب هذا الإخفاق. الفشل يعود لأسباب متعددة، لكنها كلها مرتبطة، بالدرجة الأولى، بالمنطلقات التي تبنى عليها هذه البرامج، وعلى رأسها الإطار المفاهيمي. وعند الرجوع إلى هذا الإطار، نجد أن المقاولات متناهية الصغر، من وجهة نظر المرصد المغربي للمقاولات الصغيرة جدا ولصغرى والمتوسطة، الذي أنشأه البنك المركزي، هي تلك التي تحقق رقم معاملات لا يتجاوز 3 ملايين درهم، علما أن 78 في المائة من المقاولات لا تتجاوز قيمة معاملاتها مليون درهم (100 مليون سنتيم)، في حين أن التي تفوق معاملاتها هذا السقف تمثل أقل من 9.3 في المائة. وتدخل في فئة المقاولات الصغيرة جدا، حسب تصنيفات المرصد ذاته، الوحدات التي تحقق رقم معاملات يفوق 3 ملايين درهم (300 مليون سنتيم) ولا يتجاوز 10 ملايين درهم (مليار سنتيم)، علما أن المقاولات التي تدخل في هذه الخانة، لا تمثل، حسب المصدر ذاته، سوى 6.6 في المائة، في حين أن وزارة الصناعة والتجارة تؤكد أنها تمثل أزيد من نصف الشركات المسجلة في السجل التجاري، وسبب هذا الاختلاف يعود إلى المفهوم المعتمد لدى كل من الطرفين، إذ أن الوزارة تصنف ضمن هذه الخانة كل المقاولات التي يقل رقم معاملاتها عن 3 ملايين درهم. تصنيف المرصد، الذي يرأسه والي بنك المغرب، ليس اعتباطيا، بل الغرض منه الحصول على إحصائيات مصطنعة تدعم التوجهات المعتمدة والإجراءات المتخذة، خاصة في ما يتعلق بولوج هذه الفئات إلى التمويل البنكي، إذ أن اعتبار المقاولات الصغيرة جدا هي تلك التي تحقق رقم معاملات يتراوح بين 3 ملايين درهم و 10 ملايين، سيجعل عددها قليلا، إذ لا تمثل سوى 6.6 في المائة من العدد الإجمالي للمقاولات، وعلية، فإن نسبة المقاولات من هذا الصنف التي تستفيد من التمويل البنكي، سيكون مرتفعا، على قلتها. النسبة تكون مرتفعة اصطناعيا، لكن الواقع أن أزيد من 90 في المائة من هذه المقاولات لا تجد سبيلا إلى القروض البنكية. وعندما يجد المقاول الصغير أبواب التمويل والدعم مغلقة في وجهه، فإنه يرغم على البقاء في القطاع غير المهيكل، حيث يستطيع التملص من التكاليف والالتزامات الضريبية والاجتماعية، ما يعطل النمو ويعيق الاندماج الاقتصادي ويحرم الدولة من موارد ضريبية مهمة. الأمر نفسه ينطبق على برامج الدعم الموجهة إلى هذه الفئة، على غرار المرسوم المصادق عليه في المجلس الحكومي المنعقد في 10 أبريل الماضي، المتعلق بتحفيز الاستثمار وتوفير مناصب الشغل، الذي اشترط تحقيق رقم معاملات بمليون درهم للاستفادة من الدعم، ما أقصى ثلاثة أرباع المقاولات منه، لأنها لا تصل إلى هذا السقف. لكن باعتماد مفهوم المرصد للمقاولات الصغيرة جدا، الذي يحددها في تلك التي تحقق رقم معاملات بين 3 ملايين درهم و10 ملايين، فإنه لا يمكن الحديث عن أي إقصاء. وهكذا نلاحظ أن المفاهيم المعتمدة الغرض منها تجميل الواقع بمساحيق إحصائية، لكن الواقع الصعب لهذا الصنف من المقاولات لا يرتفع. لذا يتعين، قبل إعداد المخططات والبرامج المخصصة للمقاولات الصغيرة جدا، إعادة النظر في الإطار المفاهيمي.