هدر وإهدار تتوالى الحكومات وتتعدد البرامج والمبادرات، الهادفة إلى مكافحة البطالة في صفوف الشباب، ولكن أزمة التشغيل تظل في صدارة التحديات الهيكلية. فبين "أوراش" و"فرصة" و"إدماج" و"انطلاقة" وغيرها من المسميات، يجد الشاب نفسه أمام متاهة من الوعود والآليات، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، حيث تؤكد الأرقام الرسمية وتقارير المؤسسات الدستورية، مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن برامج الحكومات المتعاقبة توصف بأنها غير فعالة في مواجهة مشكلة بنيوية عميقة. إن جوهر الإشكال لا يكمن في غياب النوايا أو نقص التمويل، بل في منهجية العمل المعتمدة. فعلى مر السنوات، اعتمدت السياسات العمومية في مجال التشغيل على مقاربة علاج الأعراض، بدل معالجة أصل الداء. إنها حلول ترقيعية ومؤقتة تهدف إلى تنميق المعطيات الإحصائية حول إحداث فرص الشغل ومحاربة البطالة. تجمع جل التحليلات والدراسات على أن فشل هذه البرامج يعود إلى عوامل متعددة متداخلة، أبرزها ضعف التخطيط وغياب الرؤية الشاملة، إذ أن أغلب البرامج الحكومية تفتقر إلى سياسة عمومية واضحة وموحدة للشباب، تعززها مؤشرات قياس دقيقة وشفافة. وبطبيعة الحال، فإن هذا الغموض يؤدي إلى تعدد الفاعلين وضعف التقائية السياسات، ما يشتت الجهود ويهدر الموارد. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كيف يعهد إلى الشركة المغربية للهندسة السياحية للإشراف على برنامج التشغيل الذاتي "فرصة"، علما أنها لا تربطها أي صلة بالموضوع وليست لها أي تجربة في هذا المجال. فمن الطبيعي، إذن، أن تكون النتائج دون المأمول. ومن بين أوجه القصور التي تعانيها هذه البرامج، غياب الإدماج الاقتصادي المستدام، إذ أن أغلب فرص الشغل الناتجة عن هذه البرامج، تعاني الهشاشة، لأنها تفتقر إلى المواكبة، وكان من الأفضل والمفيد أن توجه الملايير المخصصة لهذه البرامج إلى تعزيز وتدعيم وتشجيع نمو المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي توفر العمل اللائق والمستدام. لا يمكن معالجة أزمة التشغيل بالاستمرار في اعتماد الآليات نفسها، رغم ثبوت فشلها، ما يفرض تحولا جذريا في المقاربة الحكومية، من خلال التركيز على النمو المنتج، إذ يجب أن تهدف السياسات الحكومية إلى تحقيق نمو اقتصادي قوي ومستدام يركز على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وتشجيع الاستثمار المنتج لمناصب الشغل. وأظهرت التقارير أن غياب المقاربة التشاركية وإقصاء الشباب من مراحل الإعداد والتتبع والتقييم للبرامج الموجهة له، يعد عامل فشل مؤكد. يجب بناء الثقة وإشراك المستفيدين لتصميم حلول تلبي طموحاتهم الحقيقية في المساهمة في إنتاج الثروة الوطنية، وليس فقط الهروب من البطالة. إن الاستمرار في ضخ الملايير في برامج أثبتت عدم فعاليتها، هو هدر للمال العام وإهدار لطاقات الشباب. لقد حان الوقت لتدرك الحكومات أن التحدي ليس في عدد البرامج التي تطلق، بل في جودتها واستدامة الحلول المقدمة. يتعين أن يتحول التشغيل من مجرد شعار انتخابي إلى سياسة عمومية ذات أثر ملموس. عبد الواحد كنفاوي