مواطنون يتيهون في فك ألغاز فواتير وأوراق تغطية صحية تفوح منها رائحة "الشياط" تتكرر شكايات المرضى وذويهم حول الفواتير التي تقدمها المصحات الخاصة، إذ يظل الغموض سيد الموقف في ما يتعلق بأثمنة الأدوية وكمياتها. ويطرح هذا الواقع إشكالات مالية للأسر التي تجد نفسها في عمليات «حساب» معقدة، كما يطرح أسئلة جوهرية حول غياب الشفافية وحماية حقوق المريض. ففي الوقت الذي يفرض القانون على المصحات إصدار فواتير مفصلة ودقيقة، يلاحظ أن عددا كبيرا منها يكتفي بذكر بنود عامة مثل «أدوية» أو «مستلزمات طبية» دون تحديد الاسم التجاري، أو العلمي، ولا حتى الكمية المستعملة. ويصعب هذا السلوك على المريض ومرافقه، وحتى شركات التأمين التحقق من صحة الفاتورة، أو مطابقتها مع الواقع. ويلاحظ المواطنون أن أسعار الأدوية داخل المصحات غالبا ما تكون أعلى من نظيراتها في الصيدليات، إذ يجد المريض نفسه مطالبا بأداء مبالغ مضاعفة، بينما كان بإمكانه اقتناء الدواء نفسه بثمن أقل من الصيدلية الخارجية. والغريب، أن هذا الفارق في الأسعار لا يخضع لأي تبرير واضح، مما يفتح الباب أمام تضخيم التكاليف وزيادة الأعباء المالية على الأسر، خصوصا في حالات الاستشفاء الطويل، أو العمليات الجراحية. ويرى ملاحظون أن غياب الشفافية في هذا المجال يضر بمصداقية المنظومة الصحية ويضعف ثقة المواطنين في القطاع الخاص، كما أن هذا الغموض يؤثر سلبا على أنظمة التأمين الصحي والتغطية الاجتماعية، إذ تصبح عملية التعويض معقدة بسبب عدم وضوح الفواتير. وأكدت جمعيات لحماية المستهلك، في حالات مماثلة، أن الحل يكمن في إلزام المصحات باحترام مرجع الأسعار الوطني الذي تصدره وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، مع اعتماد فواتير مفصلة تتضمن الاسم التجاري أو العلمي للدواء والكمية والثمن الوحدوي. إضافة إلى ذلك، يطالب الفاعلون بتمكين المرضى من حق الاطلاع على ملفاتهم الصيدلية كاملة، باعتبار ذلك جزءا من حقوقهم الأساسية. أمام هذا الوضع، تتصاعد الدعوات إلى تدخل وزارة الصحة والهيأة الوطنية للطبيبات والأطباء لتشديد المراقبة على الفواتير، ووضع آليات صارمة للحد من أي تلاعب محتمل، إذ يجد المريض، الذي يلجأ إلى المصحة بحثا عن العلاج، نفسه أمام أعباء مالية مبالغ فيها، بسبب غياب الوضوح في تسعيرة الأدوية والمستلزمات. ويلح مواطنون متضررون وجمعيات حماية المستهلك وبرلمانيون، في أسئلة كتابية للوزير، على تعزيز الشفافية في فواتير المصحات، مطلبا اجتماعيا وضرورة لضمان العدالة الصحية وحماية جيوب المواطنين، في سياق يعرف فيه المغرب إصلاحات كبرى تروم تعميم التغطية الصحية وتوسيع الولوج إلى العلاج. وغالبا ما تجد هذه الدعوات أبوابا موصدة وجدارات إسمنتية، في مصحات تشتغل بمنطق آخر، يؤطره الربح أولا، وبعد ذلك يأتي الطوفان. يوسف الساكت