خوصصة مقنعة تعميم التغطية الصحية ورش اجتماعي يفترض أن يساهم في تطوير المنظومة الصحية، وأن يؤمن الخدمات الصحية لمختلف الفئات الاجتماعية. أكثر من 60 في المائة من تعويضات التأمين الصحي الإجباري الموجهة للعلاجات الاستشفائية المتخصصة، تذهب مباشرة إلى المصحات الخاصة. هذا يعني أن أموال المواطنين المؤمنين تستخدم لدعم التوسع المالي للقطاع الخاص بشكل رئيسي. هذه المعطيات تبرز أن المصحات الخاصة قد أصبحت هي الوجهة المالية الأولى لأموال التأمين الصحي، وهي ظاهرة تغذيها الأسعار غير المُنظَّمة وارتفاع أتعاب الأطباء في القطاع الخاص، مما يُجبر صناديق التأمين على ضخ المزيد من المبالغ الطائلة خارج الميزانية العمومية للدولة. إن تحويل تعويضات التأمين الصحي بشكل رئيسي إلى القطاع الخاص يعني حرمان المستشفيات العامة من موارد تمويل أساسية كان بالإمكان استخدامها لتطوير التجهيزات، وصيانة البنية التحتية، وتحسين ظروف عمل الأطر الطبية. ونتيجة لذلك، تصبح المستشفيات العامة ملاذا لغير المؤمنين، الذين يتجاوز عددهم 8 ملايين شخص، بينما يلجأ المؤمنون الأكثر قدرة مالية نحو القطاع الخاص، مما يكرس نظاما صحيا طبقيا. عندما لا تحصل المستشفيات العامة على حصة مهمة من تعويضات صناديق التأمين الصحي، فإنها تفقد قدرتها التنافسية وتتراجع جودة خدماتها، ما يؤدي بدوره إلى رفع إقبال المواطنين على القطاع الخاص، لتدخل المنظومة الصحية في حلقة مفرغة. الهيمنة شبه المطلقة للمصحات والمؤسسات الصحية الخاصة على حصة الأسد من تعويضات صناديق التأمين الصحي (الصمان الاجتماعي و"كنوبس")، تؤدي، حتما، إلى تآكل مستمر في الموارد الموجهة للمستشفيات العمومية. هذا الاختلال الخطير لا يهدد استدامة النظام الصحي، فحسب، بل يفرغ مشروع العدالة الاجتماعية من محتواه، ويحول التأمين الصحي من أداة حماية اجتماعية إلى شيك مفتوح لصالح المستثمرين الخواص في القطاع الصحي. وأصبحت المصحات الخاصة، حاليا، ثاني أهم مقدم علاجات بالمغرب، بعد الصيادلة وموردي السلع الطبية، الذين يستفردون بـ 23.4 في المائة من النفقات الصحية الإجمالية، علما أن هذه الوحدات العلاجية الخاصة تنافس الصيدليات، في ما يتعلق بنفقات الأدوية، إذ أن سلة مكونة من157 دواء، التي تصرف جلها مصحات خاصة، تلتهم 54 في المائة من إجمالي تعويضات صناديق التأمين الصحي. الأدهى من ذلك، أن أمام الانتعاشة التي تعرفها الاستثمارات الخاصة في القطاع، نجد أن الاستثمار العمومي لا يواكب هذه الدينامية، إذ أن نسبة إنجاز اعتمادات الاستثمار المبرمجة في الميزانية ظلت تتأرجح ما بين 2019 و2023، ما بين 50 في المائة و67، ما ينعكس سلبا على وضعية المستشفيات العمومية، مقابل تطور لافت لمؤسسات الخدمات العلاجية الخاصة. إن تحويل أموال الحماية الاجتماعية إلى أرباح خاصة، يهدد بانهيار صامت للقطاع الصحي العمومي، ويضعنا أمام عملية خوصصة مقنعة للقطاع الصحي. عبد الواحد كنفاوي