بقلم: الفاضل الرقيبي دأبت "بوليساريو" على تقديم مؤتمرات شبيبتها، منذ تأسيسها في السبعينات، على أنها فضاء يسهر على تأطير الأجيال الحديثة، وتهيئتها لمواصلة مشروعها الانفصالي، لكن الحقيقة التي عاشها كل متابع لمسار المنظمة تكشف عكس ذلك تماما، فقد تحولت مؤتمرات شبيبة الرابوني، عبر السنوات، إلى مجرد مختبر لقياس الولاءات للجزائر، التي تبسط وصايتها الكاملة على مخيمات تندوف وقيادتها. ففي كل دورة من دورات الشبيبة، كان المشهد يتكرر بتعيين أفراد يتم اختيارهم بعناية من قبل المخابرات الجزائرية، التي تختبر مدى استعدادهم لتبني الطرح الجزائري دون نقاش أو مراجعة، قبل أن تفتح أمامه الطريق تدريجيا نحو هرم القيادة داخل الرابوني. أما من لم ينجح في إظهار الانضباط المطلوب فيقصى بهدوء من المشهد، أو يركن في الظل. وهكذا لم يكن للشبيبة أي دور يذكر في المشهد السياسي بالرابوني، وظلت مجرد أداة لتصريف تعليمات قادمة من خارج المخيمات. ومع وصول إبراهيم غالي إلى قيادة "بوليساريو" في 2016، تعمقت الأزمة أكثر فأكثر، فالرجل الذي عاش ثلاثة مؤتمرات لشبيبة الحركة، لم يتعامل معها مساحة لبناء رؤية أو لإنتاج قيادات مستقبلية، تفكر خارج المسار التقليدي، يمكنها أن تحمل أفكارا تساهم في الانتقال من وضعية عرقلة حل مشكل الصحراء، لتشكل قوة اقتراحية تساعد على قراءة المشهد والنسق السياسي، الذي يأخذه الملف بطريقة ترفع الحرج عن قيادة هرمة، تجد صعوبة في بلورة حلول بديلة، أو التعامل مع مقترحات واقعية تحظى بمساندة المجتمع الدولي. فقد ظل إبراهيم غالي ينظر إلى الشبيبة أداة أخرى، يمكن أن تستعمل لترسيخ نفوذ القبيلة، وتصفية الحسابات الداخلية. وهكذا تحولت مؤتمرات الشبيبة، شأنها شأن أذرع الحركة الأخرى، إلى ساحة مفتوحة لصراع قبلي شرس على المناصب والنفوذ، ولم يعد خافيا على أحد داخل المخيمات أن التعيينات والانتخابات المزعومة التي تجرى في هذه المؤتمرات، لا علاقة لها بالكفاءة أو بالمشروع السياسي، بل تحسم خلف الكواليس، على أساس الولاءات القبلية ودرجة القرب من الدوائر الجزائرية. وقد بلغت الأزمة ذروتها مع نهاية عهدة الأمين العام الحالي لشبيبة "بوليساريو"، عالي محمد سالم، الذي لا يخفى على أحد أنه يحمل الجنسية الجزائرية أبا عن جد. وهذا المعطى لوحده كفيل بكشف الارتباط العضوي لهذا الكيان، الذي يدعي تمثيل شباب المخيمات بحكام الجزائر. ولم يتوقف الأمر عند الأمين العام، بل يشمل المكتب التنفيذي بأكمله، إذ يحمل معظم أعضائه الجنسيتين الجزائرية والإسبانية، وهو الأمر الذي فجر استياء واسعا داخل المخيمات، حيث يتساءل السكان: كيف يعقل أن تتحكم مجموعة "مستوردة" في مصير شباب ولدوا وعاشوا في المخيمات؟ والأخطر من ذلك هو تمادي قيادة "بوليساريو" في تقديم هؤلاء الغرباء إلى المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، والبعثات الدولية، التي تزور المخيمات، ناطقين باسم الشباب الصحراوي، لكي يرددوا أسطوانة جنرالات الجزائر المشروخة، حول التمسك بالاستفتاء والاستقلال، قبل أن يعودوا إلى حياتهم العادية، بعيدا عن جحيم الحمادة، بينما المعنيون الأساسيون يعانون القهر والحرمان والتقتيل الممنهج، عند كل محاولة لمغادرة المخيمات، بحثا عن لقمة العيش، بل الأسوأ أن بعضهم يجد نفسه فريسة سهلة لشبكات الجماعات الجهادية في منطقة الساحل، التي تستغل حالة اليأس والإحباط لتجنيدهم. ومع اقتراب مؤتمر شبيبة "بوليساريو" الجديد، تتصاعد الأسئلة أكثر من أي وقت مضى: ما جدوى هذه المسرحيات؟ وهل يمكن لمؤتمر يعقد في أجواء مليئة بالصراع القبلي والولاء الخارجي أن يقدم أي جديد لشباب فقدوا الثقة في القيادة وفي المستقبل؟ الجواب يبدو واضحا، فهذه المؤتمرات لم تعد سوى واجهة لإعادة إنتاج الأزمة نفسها وتكرار الخطابات نفسها، بينما يواصل شباب المخيمات البحث عن مخارج فردية للهروب من جحيمها، وهو ما يعكس أزمة تنظيمية خطيرة تظهر عجز الحركة الكامل عن تجديد نفسها، أو تقديم أفق سياسي جديد. فحين يفقد الشباب الذي يمثل غالبية سكان المخيمات الثقة في قيادة الرابوني، ويتحولون إلى طاقات سلبية، تصبح نهاية الحركة مسألة وقت لا أكثر.