خالد العطاوي "يحلم الإنسان بالفن كما يحلم بالهواء"، مقولة تغضب كارهي الثقافة والفن في المغرب، فدائرة العداء للمهرجانات والندوات واللقاءات تتسع وهدفها إخماد أنفاس الإبداع، وإغلاق النوافذ التي تسمح للروح بأن ترى وتتنفس وتغني. يظهر العداء للفن والثقافة في أكثر من صورة، ويتخذ لنفسه مبررات متعددة تتراوح بين الحديث عن الذوق العام، والتلويح بشعارات أيديولوجية متقادمة، والاستناد إلى تفسيرات دينية ضيقة، وكأن الإبداع تهمة، وكأن الجمال خطر يستوجب الحذر، إلا أن جوهر هذا العداء يكمن في خوف دفين من قوة الفن في فضح القبح، وقدرته على إزعاج أولئك الذين يفضلون أن يبقى الناس أسرى الصمت والظلام. ما لا يتقبله "الساخطون" على الثقافة أن الفن يعمل على تحرير الوعي، فيضع المجتمع أمام صورته الحقيقية، ويجعل الأسئلة المؤجلة أكثر إلحاحا، فالمسرح مثلا، يفتح نوافذ السخرية على واقع مكبل، والأغنية الصادقة تمنح للناس متنفسا يخفف عنهم وطأة القيود، واللوحة التشكيلية تقدم أفقا آخر للتأمل والدهشة، وهي الحرية التي تزعج خصوم الإبداع، لأنهم يدركون أنه ينزع الأقنعة عن وجوه اعتادت التخفي خلف الشعارات، ويكسر سلطات اعتادت الهيمنة باسم الطهر أو الوصاية أو الأخلاق. ويتجلى هذا العداء بوضوح في المغرب خلال الحملات المتكررة على المهرجانات الفنية والموسيقية، إذ يستغل البعض هذه المناسبات لإطلاق دعوات المنع والتشويه، معتبرين أن الفن "ترف لا حاجة له" أو "مضيعة للأموال العمومية"، كما تتصاعد الأصوات الرافضة كلما امتلأت الساحات بالجمهور الذي يجد في الغناء والمسرح والرقص لحظة للانفلات من الضغوط اليومية، وهي حملات تكشف هشاشة خطاب لا يحتمل أن يرى الناس فرحين، أو يعترف بأن للفن دورا أساسيا في التنمية الثقافية والاقتصادية على حد سواء. ويضع الفن خصومه في مأزق دائم، لأنه يواجههم بسلاح لا يتقنونه: سلاح الخيال، الذي يفضح المفارقات التي يسعون إلى إخفائها، ويضعهم أمام مرآة تكشف تناقضاتهم. لهذا يختارون أسهل الحلول، مثل قمع الفنان وتشويه صورته، بدل الدخول في نقاش عقلاني مع ما يطرحه من قضايا، علما أن القمع لا يزيد المجتمع إلا تعطشا للحرية، ولا يزيد الفن إلا قوة ورسوخا. يختبر عداء الفن عمق سؤال الحرية ذاته: هل يسمح للمجتمع بأن يحلم، بأن يضحك، بأن يغني، بأن ينتقد؟ أم يحكم عليه بالاكتفاء بواقع جامد يعاد إنتاجه كل يوم؟ يواجه الفن هذه الأسئلة بشجاعة، ويصر على أن يظل مرآة ناصعة تكشف العيوب وتضيء الطريق. سيبقى الفن حيا، لأن الحياة من دونه ناقصة، ولأن مقاومته لا تعني سوى مقاومة الوعي والحرية والجمال.