كريمة مصلي الإبعاد تدبير وقائي يدخل في إطار العقوبات التكميلية التي يدان متهمون بها في إطار إعادة تأهيلهم، الغاية منه هو إبعادهم عن البيئة الجرمية، التي ساهمت في بروز السلوك الجرمي في حياتهم، وغالبا ما يتم تفعيله في قضايا عدة، خاصة بالنسبة إلى الجرائم التي تكتسي طابعا خطيرا. لكن الملاحظ أن هذا الإجراء القانوني، الذي لا يمكن العمل به إلا بناء على حكم قضائي صادر عن هيأة مختصة، أصبح في الآونة الأخيرة متاحا لبعض الأشخاص الذين يعهد إليهم التسيير في مجالات معينة يمارسونه في حق أناس شاءت ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية أن يعيشوا في الشارع بدون مأوى، فعوض أن يحقق لهم المجتمع أبسط حقوق العيش الكريم وإيداعهم مؤسسة مختصة تعنى بشؤونهم وترعاهم، على اعتبار الحق المشروع للإنسان على مجتمعه في منحه أبسط ظروف العيش، كما تنص على ذلك جميع الدساتير والمواثيق الدولية، في ضرورة تمكينه من كافة الحقوق للعيش بكرامة، حتى في أبسط صورها، كرامة قد تختلف من بلد لآخر ومن شخص لآخر لكنها تتوحد في الحق في العيش أينما أراد الإنسان دون وصاية أو رقابة مغلفة، عوض ذلك يتم نهج سياسة الإبعاد بتجميعهم ونقلهم إلى منطقة أخرى، وكأن الأمر يتعلق بوباء يجب التخلص منه. تعيش بعض المدن خاصة في فصل الصيف حركة غير عادية، بعد حشد شوارعها بأشخاص مشردين، يظهر من النظرة الأولى أنهم غرباء عن المنطقة، منظرهم يثير الرعب لدى العديد من الأشخاص الذين يتحاشون الاقتراب منهم، بل إن منهم من فضل الهروب، في حال محاولة أحد منهم الاقتراب. منظر مؤثر للغاية، خاصة حينما تحاول تحليله، فهؤلاء الأشخاص المنبوذون من عائلاتهم ومجتمعهم يتلذذون بالخوف الذي يجدونه في عيون المارة وكأنهم يثأرون من المجتمع الذي رفض وجودهم، وعمد إلى تطبيق تدابير وقائية ضدهم لجرم لم يرتكبوه. سياسة يتم اتباعها في كل مدينة أو منطقة في حال تكاثر تلك العينة، في محاولة للتخلص منهم بإبعادهم إلى منطقة أخرى، وكأن الأمر لا يتعلق ببشر، لهم كامل الحقوق والواجبات. التجرد من مشاعر الإنسانية في التعامل مع تلك الظواهر المجتمعية، يدفع إلى التساؤل عن تطبيق القانون في حق مقترفي تلك الجرائم، التي تنتهك الحرية الشخصية، وعوض البحث عن حلول فعالة، في تدبير الظاهرة يتم الاختباء وراء حلول ترقيعية تحط من الكرامة الإنسانية، أليس هؤلاء بشرا مثلنا ولهم حقوق على المجتمع؟ من سمح بحرمانهم من حقهم في العيش بحرية ما داموا لا يقترفون أي جرم، وأين هي مسؤولية الدولة في حمايتهم، ولماذا يتم لفظهم؟ أسئلة ملحة تنتظر الإجابة من المسؤولين.