الحقد مرض صامت كشف معاذ جرار، مختص في علم النفس، أن تعليقات مشبعة بالحقد باتت تسمع بشكل متكرر في المقاهي، ووسائل النقل، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وحتى في الأحاديث العائلية، مضيفا أن الحقد ليس مجرد شعور عابر، بل حالة نفسية مركبة تنشأ غالبا نتيجة تراكم الإحباطات وعدم معالجة الجراح النفسية، فعندما يشعر الفرد بأن جهوده لا تقدر، أو أن الاستحقاق لم يعد معيارا للنجاح، يبدأ في بناء مشاعر عدائية تجاه من يعتبرهم أكثر حظا منه. مشاعر لا تظهر دائما بشكل مباشر، بل تتسلل عبر السخرية، والتهكم، والتقليل من الآخرين. وأوضح جرار، أن تكرار مظاهر الظلم الاجتماعي والتمييز يجعل من الحقد سلوكا اجتماعيا شبه مألوف، يعكس عجزا داخليا عن التأثير أو التغيير. وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة لا تتم فقط عبر الوعظ أو التنبيه الأخلاقي، بل تتطلب خلق بيئة يشعر فيها الأفراد بالعدالة والإنصاف والانتماء، مما يقلص الحاجة إلى تحقير الآخر لتبرير الفشل الشخصي، واعتبر، أن الحقد ليس طبعا مغربيا، بل هو جرح نفسي واجتماعي وثقافي ناتج عن تراكم الظلم، وانسداد الأفق، وتضخيم وهم النجاح. معاذ جرار (مختص في علم النفس) إحساس بالظلم وانسداد الآفاق أكد مصطفى أومشيش أن المغاربة ليسوا حاقدين بطبعهم، بل هم شعب معروف بالطيبة والتسامح، غير أن ظروفا اجتماعية واقتصادية ونفسية متراكمة ساهمت في بروز مشاعر الحقد لدى بعض الأفراد، كما أوضح أن الإحساس بالظلم، وانسداد الأفق، وتراجع العدالة الاجتماعية، كلها عوامل تولد نوعا من الإحباط الداخلي، الذي يتحول في بعض الحالات إلى حقد معلن أو مستتر. وأشار أومشيش، إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت منصة لتفريغ هذه المشاعر، إذ تضخم المقارنات، وتبرز مظاهر النجاح المبالغ فيها، ما يزيد من شعور البعض بالفشل والعجز، وفي ظل هذا الواقع، تتحول التعليقات إلى وسيلة للتنفيس، لكن بأسلوب عدائي مليء بالسخرية أو التقليل من الآخرين. وشدد على أن الحل لا يكمن في إدانة الحاقدين، بل في معالجة الأسباب البنيوية التي تنتج هذا الحقد، وإيجاد بيئة يشعر فيها الناس بالعدالة والكرامة والانتماء. المصطفى أومشيش (إطار تربوي) استقاهما : عبد الجليل شاهي ( أكادير) تأجيج الصراعات يرى رشيد كلو، فاعل نقابي وسياسي بطنجة، أن الحقد والكراهية لم يعودا استثناء في الحياة السياسية المغربية، بل تحولا إلى جزء من الممارسة اليومية، سواء بين الخصوم أو داخل الحزب الواحد، حيث لم تعد الخلافات تناقش داخل الأطر التنظيمية أو تحل بالحوار الديمقراطي، بل غالبا ما تواجه بالصمت العدواني، أو تحول إلى حملات تشهير وتسريبات مسيئة. وقال كلو، "أحيانا عندما يكون الشخص نزيها وفاعلا، ينظر إليه كخصم ينبغي إسقاطه بأي وسيلة، وهذا المناخ طرد العديد من الكفاءات التي فضلت الانسحاب بهدوء، على أن تتحمل بيئة مسمومة، خصوصا بعد أن أصبح الانتماء الحزبي مرتبطا بحسابات شخصية ضيقة، لا تحكمها المصلحة العامة، بل الرغبة في الظهور والبقاء، ولو على حساب رفاق الأمس. وحمل كلو المسؤولية لثقافة الولاء الشخصي التي طغت على منطق الكفاءة، ولغياب الاعتراف المتبادل داخل التنظيمات، مؤكدا أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت هي الأخرى في تأجيج الصراعات وتحويل النقاش العمومي إلى مجال لتصفية الحسابات وترويج الإشاعات، مختتما رأيه بالدعوة إلى إعادة الاعتبار لقيم الاحترام والتقدير داخل المؤسسات السياسية، وشدد على أن استمرار هذا الانزلاق لا يهدد فقط تماسك الأحزاب، بل يدمر ما تبقى من ثقة المواطنين في السياسة وقدرتها على التغيير. رشيد كلو (فاعل نقابي وسياسي بطنجة) قطع صلة الرحم قالت خديجة السرغيني، وهي موظفة في الأربعينات من عمرها، إن الحقد والضغينة لم يعودا استثناء في البيوت المغربية، بل تسللا بهدوء إلى تفاصيل الحياة اليومية بين أفراد العائلة الواحدة، وأحيانا تصدرهذه المشاعر من أقرب الناس إليك، من إخوة أو أبناء عم، ما يجعل العلاقات العائلية عبئا بدل أن تكون مصدر دعم وسند. تحكي خديجة بألم»تخيل أن أخي قاطعني فقط لأنني اقتنيت سيارة صغيرة بالقرض، رغم أنني عرضت عليه المساعدة أكثر من مرة ورفض"، كما أن عائلتي وأقاربي انهالوا علي بنظرات الحقد والتهكم حينما حصل ابني على منحة للدراسة بالخارج"، مبرزة أن الغيرة من النجاحات البسيطة باتت سلوكا مألوفا، حيث تفسر كل إضافة وتحسن بسيط كأنه تحد أو استعراض، حتى السفر أثناء العطل يستقبل أحيانا بكثير من الريبة والاستفزاز. وحملت خديجة، وهي أم لثلاثة أطفال، شبكات التواصل الاجتماعي جزءا من المسؤولية، معتبرة أنها غذت هذه المقارنات السامة، ودفعت كثيرين إلى تتبع تفاصيل حياة بعضهم البعض بعين الغيرة والحقد لا بعين المحبة، مختتمة شهادتها بتساؤل مؤلم «إذا كان الكبار غارقين في الغيرة والحقد، فكيف نربي أبناءنا على قيم الحب والتعاطف؟ وكيف سنحفظ ما تبقى من دفء الأسرة المغربية؟» خديجة السرغيني (موظفة بطنجة) استقاهما: المختار الرمشي (طنجة)