نساء رسمن ملامح المرأة 2 لقد لعبت المرأة في تاريخ الإسلام دورا محوريا في نشر الدين، ورسم ملامحه في مكة والمدينة. هؤلاء النساء لم يكن مجرد شخصيات تاريخية، بل كن نموذجا حقيقيا للصدق والإيمان العميق. تحمل كل واحدة منهن أسرارا عن الإسلام، وتوثق العديد من الأحاديث النبوية التي انتشرت وتواترت عبر الأجيال، حيث كنّ مراجع رئيسية في رواية الأحاديث. في هذه الحلقات نذكر بعض القصص والمواقف، التي تركت بصمة واضحة في حياة هؤلاء النساء الجليلات، واللواتي طبعت حياتهن بالعلم، والشجاعة، والتضحية، والإيمان. إنجاز: كريمة مصلي كانت خولة بنت ثعلبة الأنصارية، زوجة الصحابي أوس بن الصامت، إحدى الصحابيات الجليلات اللواتي تركن بصمة بارزة في تاريخ الإسلام. عُرفت بقوة شخصيتها، وفصاحتها، وبلاغتها وشجاعتها، وكان لها دور كبير في حياة المسلمين، خاصة بعد أن كانت سببا في نزول تشريع عظيم في القرآن الكريم يتعلق بحكم الظهار، وهو الطلاق الجاهلي الذي كان يجعل الرجل يحرِّم على نفسه زوجته عندما يقول لها، "أنت علي كظهر أمي". تزوجت خولة من الصحابي أوس بن الصامت، الذي شارك في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم، مثل غزوتي بدر وأحد، كانت حياتهما الزوجية قائمة على الإيمان والمودة، لكن نشب بينهما خلاف ذات يوم، فقال أوس لزوجته خولة، "أنت علي كظهر أمي"، وهو الطلاق الذي كان يمارس في الجاهلية، وكان هذا الطلاق يترك المرأة في حالة من التشتت بين الطلاق والزواج. رفضت خولة أن تعيش في هذه الحالة، فهي تعلم أن الطلاق الجاهلي هذا يحرم عليها العودة إلى زوجها دون أن يكون هناك فرصة للصلح. فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لتستفتيه وتطلب حكم الله ورسوله في هذا الأمر. قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: "إن أوسا ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نثرت بطني منه". كانت حالتها صعبة، وكان قلبها يتألم من فكرة التفريق بينه وبين أولادها. في البداية، لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم حكم مغاير لما أقره أوس، فقال لها:،"ما أعلمك إلا قد حرمت عليه". ولكن خولة، التي كانت قوية في إيمانها، لم تيأس، واستمرت في حديثها مع النبي صلى الله عليه وسلم قائلة، "اللهم إني أشكو إليك ما نزل بي، فما لنا من نصير إلا أنت". وكأن دعاؤها قد وصل إلى السماء، ففي تلك اللحظة، نزل الوحي من الله تعالى ليسمع شكوى خولة، ويعلن حكما جديدا. قال الله تعالى في سورة المجادلة: "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير" لقد استجاب الله لدعائها، ونزل الوحي ليعلن حكما بخصوص الظهار ويبين أن هذا الفعل لا يجوز. هذا التشريع الذي نزل بفضل الله كان حدثا عظيمً، حيث أُعطيت خولة الحق في رفع شكواها إلى الله، وأصبح حكم الظهار محرما على المسلمين والمسلمات. وكانت خولة بذلك قد خدمتها قدرتها على الجهر بالحق وطلب العدالة، كما أثبتت أن المرأة يمكن أن تحدث تغييرًا عظيمًا في المجتمع. رمز المرأة القوية لقد كانت خولة بنت ثعلبة الأنصارية رمزا للمرأة القوية التي لا تساوم على حقها في الدين، والتي جعلت من شكواها طريقا لنزول التشريع الذي يُنصف كل امرأة تم ظلمها في حياتها الزوجية. كان موقفها سببا في تغيير مهم في التشريع الإسلامي، وأصبح درسا للأجيال المقبلة، أن الله سبحانه وتعالى يسمع شكوى عباده، ويُرسل الحلول التي تحقق العدالة في كل زمان ومكان.