بنك تطوان والمال السايب ... فخ الثقة 1 لم تكن فضيحة "بنك تطوان" مجرد اختلاس أموال، بل انهيار قيم الثقة التي يقوم عليها العمل البنكي. مدير فرع ومسؤول صندوق، يفترض أن يكونا حارسين لأموال الناس، يتحولان إلى مدبرين لأكبر عملية نهب في تاريخ القطاع البنكي بالمغرب. ما جرى في تلك الوكالة ليس فقط درسا للبنوك، بل تحذير لكل مؤسسة تعتمد "الأشخاص" بدل الأنظمة المحكمة، وتعتبر أن المراقبة الداخلية مجرد أوراق توقَّع كل شهر. فمن إشاعة لاستغلال المدير لودائع الزبائن في تقديم سلفات شخصية وغير قانونية، إلى قيام اثنين من المستثمرين التطوانيين الكبار بالمدينة بسحب ودائعهما وإغلاق حساباتهما، بعد علمهما باختلالات التسيير في الوكالة، ظهر العجز المالي الذي تطلبت عمليات تغطيته اللجوء إلى الاختلاسات. إعداد: يوسف الجواهري (تطوان) لم يكن أحد ليتخيل أن إشارات صغيرة ستقود إلى تفجر واحد من أكبر ملفات الاختلاس التي عرفتها مدينة تطوان، وربما حتى المغرب خلال السنوات الأخيرة. البداية كانت كما في كثير من القضايا المالية الكبرى: زبون يتقدم بشكوى إلى إدارة فرع الاتحاد المغربي للأبناك بتطوان، متسائلاً عن حركة غامضة في حسابه البنكي. إدارة البنك تعاملت، في بادئ الأمر، مع الشكوى خطأ عابرا أو إشكالا تقنيا يمكن تسويته داخليا، لكن تكرار الشكايات وتواليها من زبائن آخرين أثار الشكوك بشكل جدي، بل إن دخول فرع البنك بطنجة على الخط وتنبيهه إلى الاختلالات عجل بكشف المستور. هنا، تحركت آليات التدقيق الداخلي، لينطلق مسلسل من التحقيقات والمراجعات الدقيقة للكشوفات البنكية والعمليات المالية التي أجريت خلال فترة طويلة. ومع توالي التدقيق، تٓكٓشف ما لم يكن في الحسبان: مبالغ ضخمة اختفت من حسابات عدة زبائن دون وجه حق.. وُجهت أصابع الاتهام فيها إلى مدير الفرع والمسؤول عن الصندوق، اللذين وُضعا تحت تدابير الحراسة النظرية قبل أن يُقدما إلى العدالة. هكذا، بدأت خيوط واحدة من أخطر قضايا الاختلاس في تاريخ البنوك بالبلاد، لتكشف، ليس فقط عن ثغرات في الرقابة الداخلية، بل أيضا عن جرأة المتهمين الذين استغلوا مواقعهم للسطو على ودائع المواطنين لسنوات قبل افتضاح أمرهم. لكن البداية، كما يرويها كل من تابع الملف، كانت مجرد سؤال بسيط من زبون، توصل إلى وقوع سحوبات من حسابه وإجراء معاملات انطلاقا من ودائعه دون أن يكون على علم بها، أو اتخذ القرار أو أمر بالقيام بها، لأن بعض الأيادي العابثة استباحت أموال المودعين والمتعاملين وخانت ثقتهم. إذن القضية انطلقت حين لاحظ أحد الزبائن سحباً غريباً من حسابه البنكي، لم يكن قد أمر به أو له علم به، ليتوجه إلى إدارة الفرع بتطوان ويطرح سؤاله البسيط: "ما طبيعة هذه العملية؟ ومن أمر بتنفيذها؟". في الوقت الذي بدأت فيه إدارة فرع تطوان تستشعر وجود الخطر المحيط بما كان يجري في حسابات الزبائن، جاء التحذير الحاسم من فرع الاتحاد المغربي للأبناك بطنجة، الذي نبّه إلى وجود اختلالات متكررة وعمليات مشبوهة طالت حسابات المتعاملين. هذا المعطى الجديد دفع الإدارة المركزية إلى إطلاق تدقيق داخلي، شمل مراجعة كافة العمليات البنكية، منذ سنوات خلت. لم يكن التدقيق الداخلي سوى بداية لعاصفة مالية حقيقية. فمع كل يوم من أيام التحقيق، كانت تتكشف عمليات سحب غير مبررة، وتحويلات تمت دون علم أصحابها، أو بتوقيعات مشكوك فيها. وبسرعة، تجمعت المعطيات لتضع مدير الفرع والمسؤول المالي المباشر عن الصندوق في دائرة الاتهام، باعتبارهما المتورطين المباشرين في سلسلة من الاختلاسات. وبناءً على نتائج التحقيق الداخلي، وُضع المشتبه فيهما تحت تدابير الحراسة النظرية، قبل أن يُحال الملف برمته على النيابة العامة التي باشرت مسطرة المتابعة القضائية. القضية اليوم أمام القضاء، والكثيرون يتابعون تفاصيلها بكثير من الدهشة والتساؤل حول كيف استطاعت مثل هذه العمليات أن تستمر طويلا دون أن ترصد؟ وكيف يمكن لمثل هذه العمليات أن تتم لسنوات، دون أن ترصدها الأنظمة المعلوماتية أو المفتشون الدوريون؟ كما تفتح هذه الفضيحة باب النقاش حول سهولة استغلال مواقع الثقة داخل المؤسسات المالية، خاصة عندما يقترن ذلك بغياب أو ضعف ثقافة التبليغ من قبل بعض الزبائن، ممن يثقون بشكل أعمى في مؤسساتهم البنكية، دون أن يراجعوا كشوفاتهم أو يُدققوا في تحركات حساباتهم.