بقلم: الفاضل الرقيبي بدت قيادة "بوليساريو"، في الذكرى الثانية والخمسين لتأسيس جناحها المسلح، وكأنها تقيم طقوسا جنائزية لتشييع ما تبقى من مشروعها تحت ضجيج شعارات رتيبة وخطابات مملة، تكشف تحولا تدريجيا من كيان سياسي يحمل دعوى التمثيل، إلى كيان مستخدم فقد زمام المبادرة، ولم يعد يتحكم حتى في صورته الرمزية بين بقايا حاضنته في المخيمات. فالصورة التي تصدرت المشهد، والتي ظهر فيها إبراهيم غالي رفقة والي ولاية تندوف، وعدد من القيادات الأمنية الجزائرية، تحكي الكثير عن تنامي مشاعر الغضب والاحتقان في أوساط الشباب، الذين ملوا من سردية التحرير الوهمية، وأدركوا أنهم مجرد أدوات في لعبة إقليمية لم يعودوا يؤمنون بها. الإفراط في الإجراءات الأمنية المشددة في قلب المخيمات يطرح سؤالا عميقا عن جدوى قيادة تخشى من قواعدها. فكيف يمكن لحركة تدعي تمثيل شعب أن تنكفئ خلف جدران الحماية الجزائرية، بدل الانخراط في نقاشات سياسية وميدانية حقيقية مع أبناء المخيمات، الذين باتوا يشككون علنا في مشروعها وشرعية قيادتها، بل وحتى في جنسية منتسبيها الحاليين؟ فخلال العرض العسكري الذي نظمته "بوليساريو" لهذه المناسبة، بدا أن كثيرا من العناصر المشاركة لا تمت بصلة للمخيمات. فملامحهم وهيآتهم، وحتى طريقة تحركهم، تدل على أنهم مستقدمون ربما من خارج المخيمات لتأدية دور في مسرحية فقدت طعمها، لمحاولة التغطية على نفور أبناء المخيمات النابع من اقتناعهم بانتهاء دور الجبهة، باعتبارها حركة ومشروعا أمام التطورات المتلاحقة، التي يعرفها ملف الصحراء على جميع المستويات. الخطاب الرسمي الذي رافق الذكرى لم يخرج أيضا عن الإطار المعهود، إذ واصل إبراهيم غالي الحديث عن "استمرار الكفاح" و"العمليات العسكرية"، في تناقض صارخ مع الواقع، ناسيا، أو متناسيا، أن خطابه يبث من عمق الأراضي الجزائرية، وليس مما يسميه "الأراضي المحررة"، التي أصبحت محرمة على عناصر "بوليساريو" المسلحة، منذ خرقها اتفاقية وقف إطلاق النار، وهو ما كرس التفوق الميداني المغربي من حيث الانتشار والمراقبة، وجعل "بوليساريو" تكتفي ببيانات عسكرية سخيفة لا تجد صدى إلا في إعلام عسكر الجزائر. أما من حيث العتاد والقدرات، فقد شكل الاستعراض إقرارا بالعجز أمام التفوق المغربي، إذ لم تعرض الجبهة سوى سيارات رباعية الدفع وتشكيلات بشرية محدودة خالية من أي عناصر دالة على التحديث أو التطوير، مقابل الواقع الجديد فوق الأرض الذي فرضه التفوق التكنولوجي للقوات المغربية. مؤشر انفراط عقد "بوليساريو"، الذي ميز مشهد الذكرى لم يكن عسكريا فقط، بل تجلى في الحضور الباهت لسكان المخيمات، وغياب رموز وازنين داخل القيادة، من قبيل البشير مصطفى السيد ومحمد لمين البوهالي وعبد القادر طالب عمر وحمة سلامة، ما يشير إلى مقاطعة غير معلنة تحمل في طياتها انقسامات داخلية جعلت "القيادات التاريخية" ترفض الظهور في مناسبة أضحت عبئا سياسيا أكثر من أنها لحظة احتفاء. كذلك يعتبر المراقبون بالمخيمات أن الغياب اللافت لبعض رموز الجهاز الأمني والعسكري الجزائري، الذين اعتادوا رعاية هذه المناسبات، وعلى رأسهم اللواء خالدي منير، قائد "سكتور تندوف" الجديد، يعكس تحولا ملموسا في مزاج القيادة الأمنية الجزائرية، التي يبدو أنها بدأت تتعامل مع "بوليساريو" عبئا دبلوماسيا وإستراتيجيا لا أداة فعالة في حساباتها الجيوسياسية، في ظل التطورات الإقليمية، إذ يعتبر صحراويو المخيمات أن كل المؤشرات، خصوصا ما يتعلق بالعزلة الدولية الخانقة للنظام الجزائري، ستجعله يذهب أبعد من مجرد تقليص الرعاية، ليبدأ التحضير للتخلص العلني من "بوليساريو". لم تكن الذكرى الثانية والخمسون مناسبة لتجديد العهد، أو بعث الأمل، بل محطة أخرى تتأكد فيها نهاية مشروع شاخ دون أن يحقق هدفه. فـ "بوليساريو" اليوم ليست سوى ظل باهت لكيان فقد مبرر وجوده، وذكرى تأسيس جناحها المسلح تحولت في الوعي الجماعي الصحراوي إلى جنازة سياسية مفتوحة ينتظر فقط من يتلو رسميا خطاب تأبينها..