كنوز المغرب الأثرية 2 يبرز المغرب مركزا عالميا للاكتشافات الأثرية التي أذهلت العلماء وأعادت تشكيل فهمهم لتاريخ الإنسانية والطبيعة، ففي موقع جبل إيغود بجهة مراكش آسفي، اكتشف العلماء في 2017 أن بقايا الإنسان العاقل تعود لـ300 ألف سنة، أما في مزورة قرب العرائش، فترتفع 167 مسلة حجرية ضخمة منذ العصر الحجري الحديث، تشير إلى تفاعل ثقافي عبر مضيق جبل طارق، مما يربط شمال إفريقيا بأوربا في شبكة حضارية قديمة. وتؤكد هذه الاكتشافات دور المغرب حلقة وصل حضارية وكنوزه تمتد عبر الزمن والفضاء، مؤكدة أن أرضه تحتضن أسرارا غيرت مسار التاريخ، خاصة أنه مع استمرار الأبحاث، يظل المغرب كنزا عالميا ينتظر المزيد من الكشف. خالد العطاوي في 2017، كشف فريق دولي عن بقايا عظام للإنسان العاقل البدائي في موقع جبل إيغود بإقليم اليوسفية في جهة مراكش آسفي، في خطوة علمية مذهلة أعادت تشكيل فهم الباحثين لأصول الإنسانية. وقاد هذا الاكتشاف الباحث عبد الواحد بن نصر من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث التابع لوزارة الثقافة، بالتعاون مع جان جاك يوبلان من معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في ألمانيا. ولم يكن الاكتشاف الأثري عاديا، بل ثورة أثرية جعلت المغرب مركزا عالميا للحديث عن تاريخ البشرية، إذ أظهرت التحاليل أن هذه البقايا تعود إلى حوالي 300 ألف سنة، مما يجعلها الأقدم من نوعها على مستوى العالم. واستخدم العلماء تقنيات التحليل الإشعاعي المتطورة لتأريخ العظام المكتشفة مع أدوات حجرية بدائية ومستحاثات حيوانية، فأثبتوا أن عمرها يصل إلى 300 ألف سنة تقريبا. ويتفوق هذا التاريخ على أقدم رفات معروفة سابقا للإنسان العاقل في إثيوبيا، التي يعود تاريخها إلى 195 ألف سنة فقط، بفارق 100 ألف سنة. وبالتالي، يبرز موقع جبل إيغود دليلا حيا على أن الإنسان العاقل ظهر قبل ذلك بكثير، مما اعتقد العلماء سابقا، مما يدفعهم لإعادة النظر في الجدول الزمني لتطور البشرية ويؤكد أهمية شمال غرب إفريقيا في هذا السياق. وعرف علماء الآثار جبل إيغود منذ ستينات القرن العشرين، عندما اكتشف عمال المناجم بقايا بشرية وأدوات حجرية تعود إلى "العصر الحجري الوسيط"، لكن الأعمال الحديثة التي انطلقت في 2004 كشفت عن ثروة أثرية غير مسبوقة، إذ تضمنت اللقى جماجم وأسنانا وفكوكا تجمع بين السمات البدائية والحديثة، مما يعكس مرحلة انتقالية في تطور الإنسان العاقل. كما عثر الباحثون على عظام حيوانات مثل الغزلان والجاموس والنعام، التي شكلت مصدر غذاء رئيسيا لهذه المجتمعات البدائية، مما يجعل الموقع الأغنى والأقدم في إفريقيا لتوثيق بدايات الإنسان العاقل. ولم يكتف الاكتشاف بإبراز المغرب مركزا محتملا لأصل البشرية، بل أثار تساؤلات جديدة حول تطور الإنسان العاقل. فهل كانت شمال غرب إفريقيا بؤرة أولية لظهوره؟ وكيف تفاعل أسلافنا مع بيئتهم القاسية؟ يعتقد العلماء أن الإجابات تكمن في تحاليل جينية متقدمة وحفريات إضافية، إذ تشير دراسات حديثة، نُشرت في مجلة "نيتشر" في 2017، إلى أن هؤلاء البشر عاشوا في بيئة غنية بالموارد الطبيعية، مما ساعدهم على تطوير أدواتهم ومهاراتهم في الصيد، وربما ساهم في انتشارهم لاحقا عبر القارة. ويضيف هذا الاكتشاف بعدا جديدا للنقاش العلمي، إذ يشير إلى أن الإنسان العاقل لم ينشأ في بقعة واحدة مثل شرق إفريقيا فقط، بل ربما تطور في مناطق متعددة بإفريقيا، بما فيها المغرب. كما يعزز مكانة المغرب وجهة رئيسية لعلم الآثار العالمي، إذ تستقطب مواقعه، مثل كهف الطاوسة القريب من البيضاء، اهتمام الباحثين بفضل بقايا أثرية أخرى تعود إلى 400 ألف سنة. وفي الوقت الحالي، يظل جبل إيغود رمزا لإعادة كتابة تاريخ البشرية، ويؤكد أن قصتنا أعمق وأكثر تعقيدا مما تصورناه، مع جذور تمتد إلى أراض مغربية لم نكن نتوقعها.