يتحدثون عن أزمة ثقة بين الشباب والأحزاب ويتحججون بأن العرض السياسي لا يغريهم أمام مقر مقاطعة المعاريف بالبيضاء، علقت يافطة تدعو «الأخ المواطن والأخت المواطنة»، إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية، وهي العملية التي انطلقت، في إطار المراجعة الاستثنائية منذ 22 دجنبر الماضي، وانتهت الخميس الماضي. البناية حيث توجد اللافتة، يمر من أمامها يوميا مئات الشباب والأطر، في طريقهم بين مقرات عملهم بالمعاريف وممر «جورا»، حيث يفضلون قضاء استراحة الغداء، غير أن الأغلبية «عازفون» حتى عن قراءة مضمون اللافتة، ونادرون أولئك الذين يستجيبون لندائها. عزوف الشباب المغاربة عن العمليات الانتخابية، باعتبارها أدنى أشكال المشاركة السياسية، ليس ذلك المشهد، مؤشره الوحيد، لأن آخر الإحصائيات الرسمية، تؤكد أن العزوف، يستحق وصف «الظاهرة». ففي الوقت الذي لا تتجاوز فيه نسبة المواطنين البالغة أعمارهم ما بين 18 سنة و25، المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة، 7 في المائة، إلى غاية 31 مارس 2014، وتحديدا 919 ألفا و188 شخصا من أصل 13 مليونا و131 ألفا و265 ناخبا، لا يبدو أن الرقم تحسن، أسبوعين قبل نهاية عملية التسجيل الحالية، ذلك أن مجموع الذي قدموا طلباتهم لا يتجاوز 910 آلاف شخص، بينهم 254 ألفا قدموا طلباتهم عبر الأنترنت، من أصل حوالي 13 مليون مغربي يبلغون السن الذي يسمح لهم بممارسة حق التصويت. وبافتراض أن مفضلي الأنترنت سبيلا نحو التسجيل، أغلبهم سيكونون من الشباب، فـ 254 ألف شخص، يبقى رقما ضعيفا. هنا يتجدد السؤال: لماذا الشباب مقاطعون للعملية؟ وهل هذه المقاطعة عزوف عن المشاركة السياسية برمتها أم فقط عن الانتخابات؟ وماذا عن مخاطر الظاهرة؟ عزوف عن الانتخابات لا عن السياسة «الصباح» سلكت طريقا مغايرة وبسيطة في البحث عن أجوبة لتلك الأسئلة: اختارت عينة من الشباب، معروفين في محيطهم بنشاطهم المدني، والسياسي في بعض الأحيان. فكان إصرارهم على ضرورة التمييز بين العزوف عن الانتخابات والعزوف عن السياسة. حسن حلفية، شاب بيضاوي، ينشط في «حركة شباب جمعيات أحياء البيضاء الكبرى»، يعد واحدا من هؤلاء الذين، يصرون على التدقيق في المفاهيم. وبالنسبة إليه، الأشخاص الذين يحتك بهم في العمل الجمعوي، وأغلبهم شباب، للسياسة حظ كبير من اهتماماتهم، غير أنهم يفضلون العمل في المنظمات المدنية، وليس الأحزاب، لأسباب معينة. والموقف ذاته، تعبر عنه سارة سوجار، الناشطة التي تعرف عليها المغاربة إبان الحراك الشبابي في 2011، حينما فتح الإعلام العمومي أبوابه للمعتدلين من نشطاء الشارع، بعد الخطاب الملكي لـ9 مارس من السنة ذاتها. «إنها ظاهرة عزوف من قبل الشباب، عن العملية الانتخابية وليس عن العمل السياسي»، تؤكد سارة، مضيفة أن «الظاهرة ليست بالجديدة، بل هي معتادة في العقد الأخير». وفي نظر المتحدثة ذاتها، فـ «الشباب يمارس العمل السياسي عبر تعبيرات متنوعة»، ومنها «منظمات المجتمع المدني والحركات الاحتجاجية»، والحاصل، في الحقيقة، أن الشباب «لا يكترث فقط للعملية الانتخابية». ولا يساير عبد الله بوشطارت، الذي مكنه إعداده لبرنامج تلفزيوني بالأمازيغية يهتم كثيرا بمشاكل «المغرب العميق»، من تشكيل صورة كاملة عن اهتمامات الشباب بالمناطق البعيدة عن المراكز الكبرى، (لا يساير) فقط حسن وسارة في موقفيهما، بل يذهب أبعد من ذلك، ليعتبر عزوف الشباب، بحد ذاته موقفا سياسيا. وقال عبد الله: «في الحقيقة عدم إقبال الشباب المغربي على التسجيل في اللوائح الانتخابية، هو بعينه، من وجهة نظري، مشاركة حقيقية في العمل السياسي، إن عزوفهم، يعني: الرفض». فماذا «يرفض» الشباب تحديدا؟ أزمـة عـرض سياسـي عندما نطلب من عبد الله بوشطارت، أن يدقق فكرته أكثر، يقول إن العزوف، ليس سوى «حالة تعبير عن الموقف وتكريسه عن طريق التجاهل والرفض وليس هروبا من السياسة... فالشباب المغربي مسيس وله وعي سياسي ويرى أنه ليس من الضرورة أن يكون محزبا». قد نتفق مع الفكرة الأخيرة، ولكن التعبير عن الصوت في الانتخابات ليس مشروطا بالتحزب؟ يجيب المتحدث قائلا: «ما أقصده هو أن التصويت، في النهاية يعد اختيار حزب معين أو مشروع مجتمعي يحمله حزب معين... وبالتالي، الشباب المغربي، بعزوفه عن الانتخابات، يرفض العرض الحزبي الموجود». هذا الرفض، مرده إلى تحفظات ومؤاخذات، على علاقة بالأزمة العامة للأحزاب المغربية، وتشمل مشاكل الديمقراطية الداخلية، مرورا بالبرامج والتحالفات والمواقف والخطاب السياسي، ووصولا إلى سؤال أعمق، ويتعلق بالجدوى أصلا من وجود الحزب السياسي، في ظل انبثاق القرارات من مصادر أخرى. ويقول حسن حلفية إنه، بالإضافة إلى «مشكلة الخطاب السياسي غير المحين، وارتكان الأحزاب المغربية إلى آليات تسويق تقليدية، وانتفاء التمايز المفترض في البرامج، والوجود القوي للمؤسسات التنفيذية»، يرتكز بعض الشباب، في رفضهم للعرض الحزبي الموجود، وهروبهم من الأحزاب، على صورة ذهنية ترسخت لديهم، مفادها أن «الشباب لا مستقبل له داخل الحزب ولن يصل إلى مصدر القرار فيه، في ظل المحسوبية والزبونية والتوريث». الفكرة الأخيرة، اختارت لها سارة سوجار توصيفا ملخصه «أزمة ثقة بين الشباب والأحزاب السياسية». فرغم أن «الأحزاب السياسية هي المدخل الأول إلى العملية الانتخابية، إلا أن عدم قدرتها على التأطير وعلى تضمين حاجيات الشباب الاساسية في برامجها خصوصا تلك المرتبطة بالحقوق الأساسية، من بين ما حال دون اكتسابها لثقة الشباب». وتؤكد سارة أن ممارسات السياسيين في فترة ما بعد الانتخابات، وأساسا «عدم رصد الشباب لأي أثر أو انعكاس لمطالبهم العاجلة في السياسات العامة، وراء ترسخ صورة أخرى في أذهانهم تعتبر أن الانتخابات مجرد موسم احتفالي ينتهي بالاعلان عن النتائج». مواصلة عبد الله بوشطارت، الحاصل على ماستر في التاريخ، لعملية تحليل الظاهرة، قادته إلى ما هو أبعد من مشكلة العرض الحزبي، ووقف على وجود أسباب أخرى، اعتبرها «بنيوية في العمق»، ومرتبطة بـ»طبيعة النظام السياسي بالمغرب، وطريقة تشكل الدولة وتطور المجتمع»، ما يجعل من العزوف «مشكلة تاريخية وليس ظاهرة عابرة ولحظية أو نتيجة لظرفية معينة». بنكيران أيضا مسؤول من بين ما يدافع به الذين استقت «الصباح» آراءهم، على فكرة أننا أمام عزوف عن الانتخابات وليس عن السياسة، أن الشباب كان في طليعة المسيرات التي طالبت بالإصلاح السياسي في 2011، وأثمرت الدستور الجديد والانتخابات التي قادت إخوان بنكيران إلى الحكم. فما الذي حدث ما بين 2011 و2015، ليعود شبح العزوف؟ من جهته، لاحظ عبد العالي الرامي، رئيس منتدى الطفولة، أن 2013، تاريخ لخيبة فئات عريضة من الشباب الذي أظهر اهتمامه بالسياسة منذ 2011. ليس فقط لأن الأحزاب فشلت في تأطير أولئك، إنما «لأن سجالات الأغلبية والمعارضة والتعديل الحكومي الذي بموجبه عوض التجمع الوطني للأحرار حزب الاستقلال في الأغلبية، زادا من تمريغ مصداقية الأحزاب في التراب». ما يقصده المتحدث هو أن عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة، له مسؤوليته في عودة العزوف، عندما تحالف مع صلاح الدين مزوار، رئيس التجمع الوطني للأحرار، الذي كان موصوفا في الأمس القريب، من قبل الإسلاميين، بأقبح النعوت، كما جمعهما سجال عن الرؤى والاختلاف في التصورات والمرجعيات الإيديولوجية إبان الحملة الانتخابية لنونبر 2011. وأثار عبد العالي الرامي مسألة، يعتقد أنها ساهمت بدورها في استبداد سؤال الجدوى من مشاركة الشباب بفئات منهم. ويتعلق الأمر بالنواب البرلمانيين الذين حازوا العضوية عن طريق اللائحة الوطنية للشباب والنساء في انتخابات 25 نونبر 2011. «هؤلاء لم يقوموا بأداء إيجابي، في حين أنه كان بإمكانهم التركيز على قضايا الشباب وطرحها في البرلمان». مسؤولية البرلمان والحكومة الحاليين، في عودة العزوف، لا تقف عند هذا الحد. إذ سجلت سارة سوجار ضعفا فاضحا، خلال الولاية التشريعية الحالية، على مستوى «إنتاج التشريعات القانونية المرتبطة بضمان إشراك الشباب في صنع القرار السياسي وصياغة السياسات العمومية وتنفيذها ومراقبتها». وهذه المسألة عندما طرحت في لقاء حول «القوانين التنظيمية للجماعات الترابية والمشاركة السياسية للشباب»، نظم في 7 فبراير الحالي بالبيضاء، اكتفى يونس السكوري، برلماني شاب عن حزب الأصالة والمعاصرة، وحنان رحاب، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، بالقول إن تلك الحزمة من القوانين الجديدة لا يوجد فيها ما يشجع مشاركة الشباب. أكثر من ذلك، لم يعدا بأن يعمل حزباهما المعارضان، على محاولة تدارك الأمر عندما ستحيل الحكومة قوانينها المعدة على البرلمان، في الأيام المقبلة، إنما صفق يونس السكوري، الباب أمام الشباب الحاضرين، بإشارته إلى أنه يتوجب الرهان على الأحزاب بتقديمها لمرشحين شباب. مخاطـر... فمـا الحـل؟ عزوف الشباب عن الانتخابات برفضهم العرض الحزبي الموجود، له مخاطر. وفي اعتقاد عبد العالي الرامي، في حال استمر الوضع على ما هو عليه اليوم: شباب له اهتمام بالسياسة لكنه عازف عن المشاركة عبر الآليات المعروضة عليه اليوم، «سيجعله عرضة لاستقطاب مفتوح، وغير مؤطر، وبالتالي فعلينا أن نعي منذ الآن، أن الخطر سيتمثل في العجز عن احتوائه». ويقول حسن حلفية، إنه متفق مع الطرح السابق، مع بعض التوضيح: «سنكون أمام خطر العنف والانفلات، لأن العزوف قد يتحول يوما إلى فعل سياسي غير مؤطر وعفوي وقد ينهار كل شيء». ولتلافي هذا السيناريو المشؤوم، يوجد عمل كثير للقيام به. وحسب حسن حلفية، البداية يجب أن تكون من الأحزاب «التي تعتبر نفسها تقدمية. إنها مطالبة بالنزول إلى الشارع، من أجل التأطير وتحسين علاقاتها مع منظمات المجتمع المدني». وهذه العودة إلى الميدان، لن تنجح بدون تحديث الأحزاب لآليات الاشتغال والاستقطاب. ومثالا عن ذلك يقول حسن حلفية: «المقاربة الإحسانية مثلا لم تعد نافعة. فالمواطن المغربي اليوم لم يعد بليدا. ومنطق القواعد والمنخرطين، بدوره متجاوز. لابد من منطق آخر عماده البرامج». أما سارة سوجار، فهي تؤكد أن الحل يتمثل في «قوانين ديمقراطية تضمن الحق في التعبير، والحق في الانتماء والحق في الاختيار السياسي». ثم التخلي عن المنطق الحالي، الذي ينظر إلى الشباب «كتلة كمية في مواسم التصويت»، وبدلا منها «إشراكه في صنع القرار السياسي الذي يضمن له تحقيق مطالبه». ولن يتأتى هذا، في نظر سارة، دون «فتح نقاش جدي بين كل الفاعلين، والتفاعل مع كل البدائل التي يصنعها الشباب»، بـ»غاية جعل الديمقراطية التمثيلية والتشاركية عمليتين مكملتين لتحقيق الديمقراطية وبناء مغرب آخر». ويدعو عبد العالي الرامي، إلى أن تكون البداية من الاستحقاقات المقبلة، عبر بعث «إشارة أمل» إلى الشباب، من خلال تراجع بعض الوجوه المستهلكة نحو الوراء، وفتح مجال التنافس أمام نخب جديدة وشابة. عبد الله بوشطارت، يبدو أكثر حزما في اقتراح الحلول ويريد أن يجد للمثقفين دورا في اي مسعى إلى تجاوز الوضع. وفي نظره، ما دمنا أمام ظاهرة تاريخية، فـ»مقاربة الاشياء والقضايا يتوجب أن تكون من أصولها»، وهو ما سيتأتى عن طريق «تكثيف البحث السوسيولوجي والتاريخي والسيكولوجي والسياسي والأنثروبولوجي لفهم لماذا يعبر الشباب عن رفضه للمشاركة السياسية عن طريق عدم التسجيل في الانتخابات». امحمد خيي