بوح ذاكرة بودرقة 2 واصل امبارك بودرقة، المعارض اليساري السابق، عضو هيأة الإنصاف والمصالحة، مسار كتابة المذكرات التاريخية السياسية، التي تروي الأحداث كما جرت وعايشها بإيجابياتها وسلبياتها، على أمل الاستفادة من دروسها لتفادي تكرارها. وبعد نجاح تداول كتاب « يموت الحلم ولا يموت الحالم»، الصادر في 2016 الواقع في خمسة أجزاء تضم « رسالة باريس» للصحافي الراحل محمد باهي حرمة، وكتاب» كذلك كان» مذكرات تجربة هيأة الإنصاف والمصالحة، المنجز بصفة مشتركة مع الراحل أحمد شوقي بنيوب في 2017، وكتاب» أحاديث في ما جرى» مذكرات عبد الرحمن اليوسفي في ثلاثة أجزاء. أصدر بودرقة الجزء الثاني من كتاب « بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة» في 2023 بعنوان فرعي من حلم الثورة إلى فضاء حقوق الإنسان، الذي يتناول فيه مساره الحقوقي استنادا على وثائق، نشر أغلبها لأول مرة. واتصلت « الصباح» بالكاتب بودرقة لأخذ الإذن منه لنشر حلقات من كتابه، ووافق على الفور، معبرا عن اعتزازه التواصل مع الصحافة الوطنية للتفاعل مع المواطنين، مقترحا نشر حلقات الجزء الأول الصادر في 2020 لأهميته، لأنه تضمن أحداثا ووقائع تعود لنصف قرن لآخر حركة مسلحة بالمغرب أرادت الإطاحة بالنظام وفشلت والمعروفة بأحداث 3 مارس 1973، مضيفا أن الجزء الأول من كتابه لم يحظ بتغطية إعلامية كبيرة، ويعتبره أهم حلقة مقارنة بحلقات الجزء الثاني في كشف الأحداث، التي جرت استنادا على وثائق. إعداد: أحمد الأرقام صدر في خضم الأحداث، بيان لوزارة الداخلية، يعلن اعتقالي رفقة عمر دهكون، فقررت العودة إلى المغرب بهوية أخرى، بعد اجتماع مع الفقيه البصري، في 24 مارس 1973، خاصة أنني قررت، في السابق، عدم البقاء في المنفى، وكان هذا القرار نابعا مما كنت ألاحظه أثناء تنقلاتي خارج البلاد، في الجزائر أو ليبيا، أو فرنسا أو بلجيكا، إذ كنت ألمس معاناة دفينة لدى أغلبية المناضلين المنفيين، رغم أجواء الحرية الظاهرة في معيشهم اليومي. واخترت أن أقرر مصيري ببلدي، وليس خارجها مهما بلغت قساوته، خاصة أنا المحامي المدرك جيدا لطبيعة المصير، وما قد يتقرر بشأنه في ضوء القانون الجنائي المتوقع تطبيقه في حقي. هكذا، حسمت أمري، وقررت عدم تحمل أي مسؤولية بالخارج، وبادرت إلى تغيير ملامحي، وربطت الاتصال بالأستاذ محمد المتوكل، المحامي بهيأة الرباط، ابن المجاهد والمناضل المرحوم الحاج عمر الساحلي، طالبا منه أن يرتب لي مأوى بضواحي الرباط، قصد العودة بشكل سري إلى المغرب، (هناك وثيقة بالكتاب تدون ذلك)، وتشاء الظروف أن تسير الأمور، عكس ما خططت له، إذ كان لزاما علي، أن أنضبط للمهام النضالية التي فرضتها المرحلة، واقتضتها المسؤولية في نطاق التنظيم. واليوم، وقد مضى على كل ذلك، ما يقارب نصف قرن، أجد نفسي، مدونا، لما عشته في أحداث 3 مارس 1973، موصولا بما نشأت عليه منذ صغري، مهتما بالوثائق وهواية جمعها، إذ رغم ظروف المنفى وكثرة الحركة، وعدم الاستقرار، راكمت كما هائلا من الوثائق، التي تهم تلك المرحلة، وسيكون من غير المقبول، ألا تأخذ طريقها للنشر، لتكون في متناول المهتمين من باحثين ومؤرخين، تسهم في مساعدتهم على دراسة وفهم وتقييم تلك المرحلة بكل موضوعية وتجرد. وأفادتني هذه الهواية المكتسبة، عندما تحملت مسؤولية مركزية بالتنظيم، في صيف 1973 بالجزائر، في أن أعطي مدلولا لتحديد المسؤوليات، بناء على السند الموثق، خاصة عندما لاحظت التذبذب والتردد في تحمل مسؤولية ما حدث. فكان قراري إلزام الجميع بتدوين القرارات المتخذة وتوقيعها، حتى يتحمل كل واحد مسؤولية المهام الموكولة إليه ومسؤولية مواقفه. فكرت مليا في صيغ تقديم ما عشته... وتشاء الصدف، خلال ربيع 2017، لمناسبة تقديم كتاب «كذلك كان" في إحدى الأمسيات الثقافية بالقنيطرة، أن تعرفت على الدكتور الطيب بياض، أستاذ التاريخ المعاصر والراهن، الذي قدم قراءة حول الموضوع، وتطورت العلاقات الإنسانية والاجتماعية لتقديم كتب أخرى. وثائق وشهادات يحاول كتاب "بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة" رصد الأحداث، من خلال نشر مجموعة من الوثائق، التي تسند وتعضد عديد الشهادات التي كنت قد تلقيتها شخصيا، وأعرضها بكل أمانة، مقرونة بما حافظت عليه ذاكرتي من إضاءات لوقائع كنت مشاركا فيها، لعل أهمها تلك المتعلقة بوضع حد للنزيف، الذي كان سيدفع بمزيد من المناضلين إلى أعمدة الإعدام، أو إلى المطاردات من أجل التصفيات، بعد فشل محاولة 3 مارس 1973.