شهر الجهاد في النفس الحلقة 13 شهر رمضان شهر الجهاد بامتياز، جهاد النفس الأمارة بالسوء أولا، وجهاد العدو ثانيا. وحدثت في تاريخ المسلمين عدة معارك مع أعدائهم، انتصروا في عدد منها انتصارات باهرة، كمعركة بدر ومعركة عين جالوت ضد التتار، ومعركة حطين ضد الصليبيين في فلسطين، ومعركة الزلاقة في الأندلس ضد الإفرنج. وتعتبر معركة بدر الكبرى التي وقعت بين المسلمين ومشركي قريش وحلفائهم يوم الجمعة 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة، المعركة الأولى الفاصلة بين المسلمين وأعدائهم. قال تعالى: (َلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون *) آل عمران: 123، وكان عدد جيش المسلمين ما بين 314 و317 مقاتلا على اختلاف الرواة، منهم 82 من المهاجرين. وكان خروج هذا الجيش تحت قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعتراض قافلة قريش التجارية القادمة من الشام، والتي كان على رأسها أبو سفيان بن حرب، ولكن القافلة أفلتت من يد المسلمين، وكان مشركو قريش قد بلغهم خبر خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع صحابته لاعتراض القافلة، فتجهزوا وخرجوا في جيش قوامه 1300 مقاتل من قريش وحلفائها من القبائل، رجع منهم 300 من بني زهرة بعد علمهم بإفلات قافلة قريش التجارية، وبقي 1000 من المقاتلين تحت قيادة أبي جهل "عمرو بن هشام" الذي أصر على المعركة، رغم معارضة بعض كبار قريش، ورغبتهم في الرجوع، كعتبة بن أبي ربيعة وكان حكيما صائب الرأي. ووقعت المعركة ببدر بين جيش المسلمين وجيش المشركين، حيث أبلى المسلمون البلاء الحسن، وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة للمشركين، فقتل منهم 70 من أكابر القوم وصناديد الشرك، كأبي جهل، وأمية بن خلف، وعتبة وشيبة بني ربيعة، والوليد بن عتبة وغيرهم، وأسر منهم 70 آخرون، وقتل من المسلمين 14 شهيدا، منهم 6 من المهاجرين و8 من الأنصار. واعتبر هذا اليوم في تاريخ المسلمين يوما مشهودا، وكان النصر فيه فتحا عظيما للمسلمين، أظهر قوة بأسهم، وصدق عزيمتهم، وقوة اتحادهم وتلاحمهم، وقد حاربوا عدوهم رغم قلة عددهم وضعف عدتهم بصبر ومصابرة، فأيدهم الله بنصره، كما وعدهم بقوله عز وجل: (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِين *) الأنفال: 7. انتصار المسلمين في بدر ثمرة لانتصارهم على أهوائهم وشهواتهم، فجاهدوا أنفسهم قبل جهاد عدوهم، وانتصروا على أنفسهم قبل انتصارهم على عدوهم في ظل قيادة موحدة صاروا خلفها، وهي قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نظم الجيش واستشار مع الصحابة في موقع المعركة، وأخذ برأيهم في موقع المعركة. ولنا في هذه المعركة وفي غيرها من المعارك التي انتصر فيها المسلمون الدرس العملي لجهاد النفس، وجهاد العدو، متى تيقنا أن النصر من عند الله، ينصر من نصره، ويخذل من خذله، قال تعالى: (إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُون *) آل عمران: 160. ولله عاقبة الأمور لحسن بن إبراهيم السكنفل * * رئيس المجلس العلمي المحلي لتمارة الصخيرات