عباس الجيراري ... الأديب العلامة (الأخيرة) ختم كتاباته بسيرة ذاتية في محاولة للإجابة عن بعض علامات الاستفهام وصف الملك وفاته بخسارة شخصية فذة مشهود لها بغزارة العطاء في العلم والأدب والدين ما تركه الراحل عباس الجيراري من إرث ثقافي وأدبي وفكري، لا يجب المرور عليه مرور الكرام، ولكن يستوجب التوثيق كما كان يحب لأعمال غيره. لا يمكن أن تنسينا وفاته في 20 يناير الماضي، ما قدمه «عميد الأدب» من تضحيات ومجهودات في سبيل العلم والفكر الأدبي والإسلامي، وهو الذي نعت بـ «العلامة»، وتأسفت لرحيله أكبر المؤسسات والهيآت العلمية والأدبية الوطنية والعربية والدولية. سنحاول من خلال هذه الحلقات، تلخيص مسار ذهبي لفقيد وصفه الملك محمد السادس في رسالة التعزية، بـ «العلامة والأديب المقتدر الأستاذ»، معتبرا أن وفاة «الفقيد العزيز لا تعد خسارة لأسرتكم الموقرة فحسب، بل إنها خسارة أيضا للمغرب الذي فقد برحيله شخصية أكاديمية فذة، مشهود لها بغزارة العطاء في المجالات العلمية والأدبية والدينية». ياسين قُطيب واصل عباس الجيراري الطريق على منوال والده، إلى غاية 2009، حين أطلق جائزة باسم "جائزة عبد الله الجيراري في الفكر والأدب"، إذ اعتبر 27 يونيو من تلك السنة تاريخيا، أحيى من خلاله عباس إرث والده، وحقق أمنيته. ونظمت الجائزة كل سنتين، وكانت تختار أحسن المواضيع ذات الصلة بالتراث الفكري والأدبي، والمتعلقة بالفكر والأدب بالقضايا الراهنة للأمة. عرفت مسيرة الجيراري العلمية، غنى فكريا كبيرا، وصل لحدود دول عربية وأوربية كثيرة، إذ أصدر كتبا ومؤلفات لازالت إلى اليوم مطلوبة في عدد من الدول، خاصة في مصر والسعودية وبعض الدول الأوربية، بعضها توزع بين الدراسات المغربية والتراث الشعبي والأدب العربي الإسلامي، فيما كانت له كتابات عن الدراسات الأندلسية، وقضايا الفكر والثقافة والفكر الإسلامي. نذكر من مؤلفاته الكثيرة، "النضال في الشعر العربي بالمغرب من 1830 إلى 1912"، وقضية فلسطين في الشعر المغربي حتى حرب رمضان"، و"عاشوراء عند المغاربة"، و"النغم المطرب بين الأندلس والمغرب"، و"القدس الشريف والإصلاح المنشود". ختم عباس الجيراري كتاباته التاريخية، ب"رحيق العمر"، والذي صدر في 2021، وهو سيرة ذاتية قال عنها خلال حفل تقديمها، إنها "محاولة لكشف الغوامض والإجابة عن بعض علامات الاستفهام". نال الجيراري أوسمة وجوائز عديدة، بسبب عطائه وتضحياته العلمية، بالإضافة إلى تكريمه من قبل عدة مؤسسات علمية وجامعية مغربية وعربية ودولية، كما فاز ب 50 وساما ودرعا، وأكثر من 40 تكريما. نذكر بالأخص، حصوله على وسام الاستحقاق في 1965 بمصر، ووسام العرش من درجة فارس في المغرب في 1980، ووسام المؤرخ العربي في 1987، ووسام الكفاءة الوطنية من درجة قائد في 1996 بالمغرب، ووسام العرش من درجة ضابط كبير في 2016 بالمغرب، ثم ميدالية أكاديمية المملكة المغربية في 1990، وجائزة الاستحقاق الكبرى في 1992 بالمغرب، ووسام الجمهورية من الطبقة الأولى من تونس في 2000، ووسام"الإيسيسكو" من الدرجة الأولى في 2006، ووسام الكوكب الأردني من الدرجة الأولى في 2010. في 21 يناير 2024، رحل عنا عباس الجيراري، بعدما تم تشييع جثمانه في يوم أحد بالرباط. تم أداء صلاتي الظهر والجنازة بمسجد الشهداء، قبل أن ينقل جثمان الفقيد، إلى مثواه الأخير بمقبرة الشهداء، حيث ووري الثرى. وكما كان متوقعا، حضرت هذا اليوم التاريخي، شخصيات من كل المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية، يتقدمهم مستشار الملك فؤاد عالي الهمة، ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، وذلك بتعليمات ملكية سامية، وحضرت عائلة الفقيد أيضا وأحباؤه وذووه. مكانته جعلت من يومه الأخير تاريخيا بكل المقاييس، وهو الذي كان عميد الأدب بالمغرب، وضمن رواد الثقافة والفكر، ليس فقط في المغرب، وإنما حتى في العالم العربي. ترك الجيراري بصمته الكبيرة في الجامعات، إذ مازال يتذكر تلاميذ له، منهم من حضر الجنازة، وأدلى بشهادة في حق الراحل. اشتغل الجيراري عضوا في أكاديمية المملكة المغربية، وأستاذا بكليات الآداب بفاس ومكناس والرباط، وأستاذا في المدرسة المولوية، وعميدا لكلية الآداب بجامعة القاضي عياض بمراكش. إلى جانب ذلك، كان الأديب الراحل عضوا في مجمعي اللغة العربية في القاهرة ودمشق، وفي الأكاديمية الأردنية لأبحاث الحضارة الإسلامية، وعضوا في رابطة الباحثين في التراث الشعبي العربي، وفي مركز الأبحاث الأنثربولوجية في الشرق الأوسط وجمعية المؤرخين المغاربة. كل هذه المؤسسات، عبرت عن أسفها لرحيل عميد الأدب العربي، بل اعتبروا رحيله خسارة للأدب العربي والثقافة العربية أجمع.