مواطنون تائهون وسماسرة يجوبون المكاتب ويوزعون الابتسامة والتحية بسخاء ازدحام شديد، وصخب هنا وهناك... مواطنون تائهون بين ردهات المكاتب، وآخرون استسلموا للسماسرة... ذلك هو حال المحافظة العقارية بآسفي، صباح أول أمس (الاثنين). الساعة تشير إلى حوالي العاشرة صباحا، حالة ازدحام شديد بالمحافظة العقارية بالمدينة الجديدة ، تثير انتباه بعض المارة، في وقت تجلس امرأة أخذ منها الزمن مأخذه بأحد الأدراج المؤدية إلى الوكالة، وبيدها قفة بلاستيكية تحتوي على وثائق وأوراق عديدة. تستخرج بعض الأوراق تفتشها وتعيدها إلى القفة، وتعيد الكرة مرات عديدة، وكأنها تبحث عن شيء ضاع منها خلسة بين ردهات الزمن الذي قادها إلى المحافظة العقارية.تقول المرأة، مخاطبة شابا في الثلاثينات من عمره، كان يقف بدوره أمام بوابة المحافظة العقارية في انتظار قدوم عون قضائي «هَاذْ المُحَافَظة مَكَاين مَا وعر منها، إلا بغيتِ تحفظ خاصك الفلوس والمعارف (...) إلا مَا كَانُو هاذ الجُّوج، ليك الله أوليدي».وتستطرد المرأة القادمة من تخوم آسفي، في حديثها لذلك الشاب، إلى أن لها قطعا أرضية ورثتها عن والدها، وعمدت ـ بتشجيع من أبنائها ـ إلى القيام بإجراءات التحفيظ غير أنها اصطدمت بالعديد من العراقيل، فقبل أزيد من سنة انتظرت خروج المهندسين لتحديد الملك المراد تحفيظه، لكن شيئا لم يكن رغم أنها تتوفر على استدعاء رسمي يتضمن تاريخ وساعة إجراء التحديد، قبل أن يعمد بعض ورثة شقيقها المتوفى إلى منازعتها في ملكيتها لتلك القطعة الأرضية، ومنذ ذلك الحين وهي تتردد على المحافظة العقارية، بحثا عن حل قد يأتي أو لا يأتي.ميلود، رجل قارب العقد الخامس، يرتدي قميصا أبيض، ويضع عمامة على رأسه، ولج الوكالة في حدود الساعة العاشرة والنصف، جال بعينيه في أركانها، قبل أن يتوجه نحو حارس للأمن الخاص، مستفسرا إياه عن المحافظ، ليشعره أنه غير موجود، ليثور «ميلود»، القادم من إقليم اليوسفية، مدعيا أن زوجته قامت بإجراء تقييد احتياطي بخصوص عقار، تم بيعه أكثر من مرة، غير أن بعض الوثائق التي أدلى بها، اختفت من الملف في ظروف غامضة.يبدو وجه ميلود شاحبا، يحدق كثيرا في وجوه بعض الموظفين، قبل أن يوجه خطابه إلى حشد من المواطنين الذين ينتظرون دورهم بالقرب من أحد المكاتب «هادي راه تشفارت أعباد الله، واش حطينا وراقنا في الملف جينا لقيناهم تسرقو»، قبل أن يخاطبه أحد المواطنين «شوف هاداك السيّد راه كيقضي الغرض للناس، غير اتهلا فيه وراه يقضي معاك».لم يكن ذلك الشخص سوى وجه مألوف بالوكالة العقارية، إنه وسيط أو سمسار أو ماشئت من الأوصاف، مهمته الوحيدة استقطاب الزبناء من أمام المحافظة العقارية، ليقودهم بعد ذلك إلى مكاتب بعينها، كما يؤكد ذلك أكثر من مصدر.غادر ميلود الوكالة وهو في حالة غضب، وفي طريقه يردد «مكاين لا محافظة لا... راه شفنا المدير وغيرو وحتى واحد ماقضى لينا الغراض، غادي يخليو واحد عندو لي يتحرك ما يتم ويتبعوني أنا».حالة ميلود نموذج للعديد من الحالات لمواطنين يقصدون هذه البناية، ولا يترددون في تأكيد أن حالة الفوضى التي تعشش في هذه المؤسسة تحتاج إلى نفض الغبار عنها، وتحيين العديد من المساطر القانونية، إذ أن غياب تحديد واجبات التحفيظ كما هو الحال ببعض المناطق كالشماعية واليوسفية، يفتح الباب على مصراعيه للتلاعبات وينعش جيوب السماسرة الذين يترددون على هذه البناية باستمرار، حتى صارت وجوههم مألوفة عند المواطنين والموظفين والعاملين بهذه الوكالة. هــذا الأمر تؤكــده شهــادة "قدور"، القــادم من جماعـــة السبيعات، الذي أكد أنه أحد المنتخبين، والذي يظــل يجوب أروقــة الوكالــة يوزع التحايا والابتسامات على الموظفين، الذي أفاد "قدور" أن مسؤولي المحافظــة طلبوا منه أداء مبلـغ يقارب 8000 درهم لتحفيظ عقــار، لكن تدخل المنتخب الجماعي المذكــور، جعل المبلغ يتقلص إلى 3500، مقــابل مبلغ مالي تقــاضاه المنتخب الجماعي المذكور.هنا بالمحافظة العقارية، تأتي الشهادات على لسان العديد من المواطنين بانسياب كبير، وكأنهم يحملون أوزارا على أكتافهم ينتظرون أن يضعوها، إذ بمجرد ما يحاول أحد أن يستنكر وضعا معينا أو حالة شاذة أو استعراض معاناته مع رحلة الذهاب والإياب بين مكاتب هذه المحافظة، حتى يجد آخرين يحملون جرحا غائرا، ويحتفظون بذكريات سيئة ويلعنون فيه اليوم الذي قادهم إلى جحيم اسمه المحافظة العقارية.وإذا كان العديد من المواطنين ممن يستيقظون باكرا ويقصدون المحافظة لقضاء غرض إداري أو تتبع مسار ملف تاه بين ردهات المكاتب، فإن أحد أباطرة العقار، المتخصص في اقتناء عقارات الأجانب في ظروف مشبوهة، بمجرد ما وطأ المحافظة حتى شرع الكثيرون في استقباله وحضنه بحنو، ويسحبون منه كل الملفات التي بيده، وتوديعه بعبارة "سير ترتاح السي الحاج راه رمضان والحال سخون".أما ميلود وقدور وتلك المرأة التي خارت قواها، وغيرهم ممن أخذ منهم الزمن مأخذه، وممن ضاقت بهم بناية المحافظة، فما عليهم سوى ركوب قطار الانتظار، في انتظار الذي يأتي أو لا يأتي.محمد العوال (آسفي)