تضحيات الدرك تصطدم بواقع وظروف تحرض على الجريمة ظلت منطقة الهراويين التابعة لإقليم مديونة ضواحي البيضاء، عصية على التطويع، إذ تعتبر مشتل الجريمة بكل أنواعها، أبرزها السرقات بالعنف والاتجار في المخدرات، لكن بعد حركة التنقيلات الأخيرة التي أشرفت عليها القيادة العليا للدرك الملكي، تم تعيين كفاءات شابة بمركزها الترابي، ما غير من قواعد اللعبة، إذ تمكنت هذه العناصر تحت إشراف مسؤوليها ، من الضرب بيد من حديد على كل من سولت له نفسه خرق القانون، لكن هذه التضحيات، ليست كافية للسيطرة على الوضع، والسبب قلة العنصر البشري واللوجستيكي، فالمركز يتولى إداراته 24 عنصرا فقط، توزعوا بين مهام تنظيم السير وإنجاز الوثائق الإدارية والقيام بمهام الضابطة القضائية. إنجاز : مصطفى لطفي اعتقد سكان الهراويين، أن عصر النهضة العمرانية سيشملهم، بعد إنجاز مشاريع عقارية كبرى بالمنطقة، من بينها تلك المخصصة للمستفيدين من مشروع إعادة الإيواء، وعلى رأسهم قاطنو "كاريان سنطرال" الشهير، لكن لا شيء تحقق، إذ ظل وضعهم كما هو، كما تعطلت العديد من المشاريع التي أعلن عنها مسؤولون جماعيون، خصوصا تلك المتعقلة بالبنية التحتية، والنتيجة توفير جميع الظروف لانتشار الجريمة. القاسم المشترك بين قاطني "دواوير" منطقة الهراويين، انتشار الفقر والهشاشة، فأغلبهم إما دون عمل قار، أو يحترفون تجارة بسيطة أو مهنة متواضعة، بالكاد تكفي لتوفير قوتهم اليومي، ينضاف إليها، السكن في بنايات عشوائية لا توفر حتى أبسط شروط العيش الكريم، هذا الوضع تسبب في تفشي ظاهرة الهدر المدرسي، وبسبب غياب فرص العمل، احترف شباب وقاصرو المنطقة الجريمة، سواء بالانتماء إلى عصابات السرقة، أو العمل لدى مروجي المخدرات. المثير في هذه المناطق المهمشة، انتشار ظاهرة الأمهات العازبات، فتيات في مقتبل العمر، يكترين غرفا متواضعة رفقة أبنائهن غير الشرعيين للاختباء، خوفا من الفضيحة، هذا الوضع ساهم في كارثة اجتماعية صادمة، فأغلب هؤلاء الأبناء محرومون من التمدرس، بسبب عدم تسجيلهم في دفاتر الحالة المدنية، رغم أن القانون خول للأم العازبة ذلك، لهذا فمصيرهم الاستغلال في التسول، وبمجرد أن يشتد عودهم يتورطون في جرائم خطيرة، بسبب حاجتهم إلى المال. السرقات ليل نهار التجول في منطقة الهراويين، يعد خطوة متهورة جدا، إذ بعد خطوات معدودة سيجد المرء نفسه محاصرا، من قبل أفراد عصابات يتجاوز عددهم الأربعة أو الخمسة، يشهرون في وجهه أسلحة بيضاء، ويسلبونه ما يملك، وإذا كان محظوظا، عدم تعرضه لسوء أو طعنة. تسببت السرقات بالعنف في استنفار كبير لدى مصالح الدرك، إذ تنخرط عناصرها يوميا في حملات لاعتقال المتورطين. المثير أنه بعد كل عملية، يتم الاعتقاد أن المنطقة جففت من العصابات، قبل أن يفاجؤوا بتشكل إجرامي جديد، نفذ غزواته في حق الضحايا. وضع مسؤول بالدرك، خطة محكمة لضبط الأمر، وهي التفاعل الجدي والسريع مع شكايات الضحايا، بحكم أن أي تهاون أو تأخير في معالجتها، سيطيح بضحايا جدد، ويصعب مأمورية اعتقال المتورطين، لهذا وبمجرد وضع شكايات وتحديد هويات أفراد العصابة، تشن في الحال حملة، أغلبها ينتهي بإيقافهم في حالة تلبس، إذ كانت آخر هذه العمليات، تفكيك عصابة تتكون من أربعة أفراد تستهدف العمال في الصباح الباكر، سيما النساء، وهم في طريقهم إلى العمل. بمجرد وضع شكاية تمت الإطاحة باثنين منهم، قبل أن يطول الاعتقال الباقي، لكن رغم هذا الإنجاز، وجدت عناصر الدرك نفسها تطارد أفراد عصابة أخرى، تناولت مشعل الجريمة من سابقها بمجرد الزج بأفرادها في السجن. الحرب على "البوفا" تعد الهراويين من المناطق المعروفة بترويج المخدرات بكل أنواعها، إذ تعد قبلة للمدمنين من كل المناطق البيضاوية. ساهم انتشار الأحياء العشوائية وأزقتها الضيقة، في توفير حماية "طبيعية" للمروجين من حملات مفاجئة للدرك والشرطة، الأمر الذي شجعهم على تحويلها إلى قلاع لهم، واستغلال الفقر والحاجة لاستقطاب أتباع ومساعدين. في السابق كان ترويج المخدرات مقتصرا على "الشيرا" و"القرقوبي"، لكن أصبح اليوم الكوكايين، خصوصا "البوفا" وهو النوع الرديء منافسا قويا. ورغم هذه التحصينات، وتكليف مخبرين بمراقبة تحركات رجال الدرك، كانت تشن بشكل مفاجئ حملات عديدة، بعضها شكل خطرا حقيقيا على أفراد الدرك، بعد أن وجدوا أنفسهم في مناسبات وجها لوجه مع زعماء شبكات المخدرات، لكن في عمليات عديدة تم تحقيق الأهداف المرسومة، آخرها إيقاف شخص متلبس بترويج أزيد من 300 قرص مهلوس. ا صرامة رغم الإمكانيات الضعيفة تحولت منطقة الهراويين التابعة لإقليم مديونة إلى مدينة جديدة، تمتد على مساحة شاسعة جدا، اختلطت فيها "دواوير عشوائية" مع أحياء عصرية، استفاد منها المرحلون من أحياء الصفيح بالبيضاء. فرغم هذه المسافة الممتدة على لمح البصر، وعدد السكان الذي يتجاوز عشرات الآلاف، أسندت مهمة توفير الأمن للدرك. مهمة تعد شبه مستحيلة بحكم أن عدد الدركيين بالمركز لا يتجاوز 24 فردا، يتم توزيعهم يوميا إلى فرق تشرف على تنظيم السير وإنجاز الوثائق الإدارية والإشراف على عمل الشرطة القضائية. رغم إشادة المواطنين بمهام الدرك، وسرعة معالجة شكاياتهم والتعاطي الفوري معها، إلا أنهم يأملون في أن تصبح منطقتهم تابعة للأمن والشرطة، كما بالنسبة إلى المدن بالضواحي بحكم أن شساعتها سببت إرهاقا كبيرا لعناصر الدرك بسبب قلة العناصر البشرية وحتى اللوجستيكية، على النقيض في حال، أسندت المهمة لمصالح الأمن، سيتم تخصيص العشرات من أفراده للقيام بهذه المهمة، ما سيدفع جانحين إلى التفكير كثيرا، قبل القيام بأي خطوة متهورة قد تزج بهم في السحن.