كفاءتها بمراكز الإصلاح والتهذيب ومبادراتها لأنسنة السجون جعلت النزلاء يكرمونها بمناداتها "ماما آسية" في هذه الزاوية التي اختارت لها "الصباح"، عنوان "بصمات"، لاننسى تكريما لأسماء كبيرة مازالت حية أو لبت نداء ربها، بعدما خلفت مسارا حافلا من العطاء وتميزت بمواقفها وأعمالها الجليلة لخدمة الوطن والمواطن، كان لا بد من استحضار اسم الفقيدة آسية الوديع تكريما لروحها واعترافا بمسارها المتميز في الساحة الحقوقية وميدان العدالة، إحقاقا للحق وشهادة للتاريخ والوطن كما يُقال. "الله يحم القبر وما خلى"، دعاء مغربي متداول بين المغاربة يحمل دلالات الامتنان والتقدير لصاحبه المتوفى، وهو الدعاء المستعمل للتعبير عن قيمة الفقيد وبصمة الخير التي تركها في الدنيا بعد رحيله. ملاك في ثوب امرأة «لم تكن مناضلة بل ملاكا في ثوب امرأة»، «قمة في الإنسانية ورقي في التعامل والتواضع سولني أنا اللي خدمت معاها وعايشتها عن قرب"...من بين الشهادات التي أدلى بها مصور صحافي اشتغل إلى جانب آسية الوديع، مشيرا إلى أن الراحلة لم تكن مشرفة على أوضاع سجناء مراكز الإصلاح والتهذيب، فحسب، وإنما كانت المناضلة التي اختارت أن تكون صوتا للمستضعفين والأم الحنون للسجناء القاصرين نزلاء مراكز الإصلاح والتهذيب. وأوضح المتحدث نفسه، أن حرص الفقيدة على مد السجناء القاصرين بالحنان المفتقد خلف القضبان ورعايتها لهم دون تمييز جعلها تحظى بلقب "ماما آسية" من قبلهم تكريما لها لما تسديه لهم من خدمات جليلة. ورغم مشاغلها الكثيرة، استطاعت آسية الوديع إثارة استغراب المحيطين بها بنجاحها في حفظ اسم كل سجين قاصر على حدة، إذ كانت تتكرم على نزلاء سجن "عكاشة" بالبيضاء، بعطفها والاستماع إلى شكاياتهم وهو ما جعلهم يعتبرون زيارتها لهم يوم فرح لا يقدر بثمن. عائلة عريقة "ذاك الغصن من تلك الشجرة" قولة يمكن إسقاطها على "ماما آسية" المزدادة في 1949، والتي يكشف الغوص في تفاصيل حياتها الشخصية عن انتمائها لأسرة عريقة تنطلق من الأم والأب وتمتد إلى أشقائها المناضلين الذين لهم باع طويل في المجال الحقوقي بالمغرب، ومنهم مازال وفيا لمبدئه إلى يومنا هذا. نضال آسية لم يكن صدفة وإنما مبدأ ورثته من أسرتها المناضلة فوالدها الشاعر والأديب محمد الوديع الآسفي مناضل، والأم ثريا السقاط الأديبة التي ناضلت دائما إلى جانب زوجها من أجل مغرب الكرامة والديمقراطية، قبل أن تنجب أبناء خلفوا بصمتهم في الساحة الحقوقية والثقافية. حصلت آسية على الإجازة في القانون بكلية الحقوق بالبيضاء في 1970 لتعمل بعدها قاضية بالمحكمة الابتدائية بالبيضاء. وفي 1980 اعتزلت القضاء لتعوضه بمهنة المحاماة، فبعد استقالتها تلقت آسية تدريبا بالمدرسة الوطنية للقضاء بباريس ما بين 1980 و1981 ثم التحقت بهيأة المحامين بسطات (1981-1984) قبل أن تلتحق بهيأة البيضاء حيث امتهنت المحاماة إلى غاية سنة 2000، قبل أن تصبح موظفة بإدارة السجون التي اهتمت في إطارها بمراكز الإصلاح وإعادة تربية السجناء القاصرين. معركة آسية الوديع مع الظلم وطموح تحقيق العدالة لم يتوقفا عند مغادرة المحاماة، بل استمر إلى غاية اليوم الأخير من حياتها، فبعد تعيينها بإدارة السجون، مسؤولة عن مركز الإصلاح والتهذيب بالبيضاء، في أواخر سنة 2000 نجحت في أنسنة فضاء السجن الخاص بالقاصرين، وهو ما جعلها تحظى بلقب "ماما آسية" الذي لازمها منذ ذلك الحين إلى ما بعد وفاتها، فخلال عملها مشرفة توطدت علاقتها بالقاصرين من نزلاء مراكز الإصلاح وإعادة الإدماج، وبعد تعيينها من قبل الملك في 2002 عضوا في مؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء بعد تأسيسها مباشرة، جعلت دائرة اهتمامها تتسع لتشمل كل السجناء في جميع المؤسسات السجنية بالمغرب، وليس فقط القاصرين. الأم الحنون بعد مسار حقوقي حافل بالعطاء وبالمواقف النبيلة، ترجلت آسية الوديع من قطار الحياة، لتنتقل إلى الرفيق الأعلى في 2 نونبر 2012، إثر مضاعفات مرض عضال لم ينفع معه علاج، وووري جثمانها الثرى بمقبرة الشهداء بالبيضاء. وخلف حدث وفاة آسية الوديع حزنا عميقا في نفسية المغاربة خاصة منهم سجناء مراكز الإصلاح والتهذيب، الذين فقدوا بوفاتها شخصية الأم الحنون التي جعلت من السجن فضاء للأنسنة قبل العقاب. محمد بها