نصائح قاض لتلميذ متهم باستهلاك المخدرات كشفت الوجه الآخر لقضاء الإصلاح قبل الزجر لا تخلو جلسات المحاكمة بالمحكمة الابتدائية الزجرية عين السبع بالبيضاء، من وقائع تتميز تارة بالطرافة وتارة أخرى بمواقف إنسانية مغلفة بالدروس والعبر، ما يجعل الأمر يستهدف قلوب الحاضرين دون استئذان، ليخلف آثرا كبيرا على نفسية الحاضرين بشكل يتردد صداه حتى خارج أسوار فضاء العدالة. "الصباح"، حلت، الخميس الماضي، بالمحكمة الابتدائية الزجرية بالبيضاء، لتتبع جملة من الملفات والقضايا التي تتم معالجتها بين أنظار العدالة، قبل أن يثير انتباهها ما يعرف بـ"حديث المحاكم" الذي كشف هذه المرة الوجه الآخر للقضاة. الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحا من يوم الخميس الماضي، بالقاعة 8 بالمحكمة الابتدائية الزجرية بالبيضاء. بعد أن وضع عون المحكمة ملفات التقاضي، بدأ المتقاضون وعائلاتهم وجيرانهم في التوافد على قاعة الجلسات، في انتظار الشروع في النظر في ملف كل شخص على حدة. بعد لحظات ترقب، كسر هدوء القاعة رئيس الجلسة الذي أعلن افتتاحها باسم جلالة الملك، معلنا عن بدء النظر في الملفات المعروضة أمامه رفقة هيأة المحكمة للبت فيها. بالقاعة 8 اختار جمال التوزي، رئيس الجلسة، الإعلان عن أرقام الملفات المعروضة أمامه، مناديا في الوقت نفسه على أسماء المتهمين الذين يوجدون في حالة سراح وكذا أسماء هيأة الدفاع التي تنوب عنهم وعن المطالبين بالحق المدني، في انتظار البت في الملف الذي بين يديه. بعد مرور ساعات على انعقاد جلسة المحاكمة، وتمكن القاضي جمال من سبر أغوار الملفات التي بين يديه، إثر ترسخ القناعة لديه بشأن الحقيقة التي يبحث عنها، شرع في البت في مجموعة من الملفات بالحكم على أصحابها، في حين أجل أخرى إلى تواريخ لاحقة لأسباب تتعلق بعدم الجاهزية، أو لإعداد الدفاع وغيرهما، قبل أن يمر إلى النظر في القضايا التي تعتبر جاهزة وتحتاج للتمحيص قبل الحكم فيها. دروس وعبر في الوقت الذي كان فيه رئيس الجلسة يبت في مجموعة من الملفات، التي تتضمن جنحا مختلفة، وأمام اصطفاف أقارب المتهمين في المقاعد المخصصة للحضور، وحرصهم على تتبع تفاصيل محاكمة ذويهم، شهدت جلسة الخميس الماضي واقعة أماطت اللثام عن الجانب الإنساني للقضاة، الذين رغم هيبتهم المرتبطة بجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقهم لإحقاق الحق والعدالة، وما ترسخ من انطباعات لدى عامة الناس بأن "المخزن ما كيرحمش" وأن "الداخل للمحكمة مفقود والخارج منها مولود" نظرا للأحكام الثقيلة التي تصدر عن القاضي الذي يتميز بصرامته وأسئلته المربكة، فإن العبرة والموعظة ودروس الإصلاح والتقويم كانت مسك ختام جلسة المحاكمة بالقاعة 8. ومن خلال متابعة جلسات المحاكمات التي شهدتها القاعة 8، أظهر القاضي جمال التوزي الذي ترأس الجلسة، رباطة الجأش وسعة الصدر وحكمة بالغة في معالجة القضايا التي بين يديه، بحرصه على إرفاق العبرة والإصلاح قبل النطق بأحكام الإدانة، التي تتعلق بملفات تورط فيها متهمون مازالوا في ريعان شبابهم، أظناء يحتاجون للتوجيه والتهذيب لتصحيح أخطاء ناتجة عن حماسة الشباب وقصر الإدراك عوض الزج بهم في غياهب السجون رفقة جانحين وجناة خطر قد يحولونهم إلى مجرمين في المستقبل. تلميذ ضحية خطأ في بداية الواقعة الملفتة للانتباه، نادى القاضي على المتهم الشاب، فقام مسرع الخطى من المقعد المخصص للحاضرين، بعدما كان يتوسط رجلا وامرأة، سرعان ما تبين أنهما أبواه إثر لجوئهما دون شعور إلى مرافقة ابنهما وهو يمثل أمام القاضي، حيث كانا مرتبكين وكأنهما يرغبان في تقاسم المصير مع فلذة كبدهما، كيف لا و"الكبدة صعبة" كما يقال. وأمام تعجب القاضي من المشهد غير المعتاد، خاطب المتهم الشاب بالقول "واش نتا هو المتهم وعلاش جايب معاك والديك قدامي؟ رجعوا لبلايصكم"، قبل أن يشرع في التحقق من هوية الماثل أمامه. وأضاف القاضي "فاش زايد أولدي، ليجيبه المتهم "ف2002 السي الرئيس"، قبل أن يسأله الشخص ذاته "مازال كتقرا؟" ليرد عليه الظنين بالإيجاب فاصحا عن مضمون تخصصه العلمي. وانتقل القاضي بعدها إلى إشعار المتهم بالتهمة التي جاء إلى المحكمة من أجلها، "نتا هنا متهم باستهلاك المخدرات، مالك أولدي على هادشي؟ واش عارف باللي هاد الطريق صعيبة ما كتخرجش، راه غادية تمنعك من الدراسة والخدمة والزواج وتقضي على مستقبلك وحياتك كاملة". محاكمة الضمير كان لكلمات القاضي على المتهم وكذا الحاضرين بالقاعة 8 الوقع الكبير إلى درجات التأثر وذرف الدموع، حيث حرص الحضور على تتبع مضامين محاكمة من نوع آخر، محاكمة للضمير في محاولة لإحيائه في نفس المتهم الشاب وكذا نفوس باقي المتتبعين. وبادر القاضي إلى سؤال المتهم "شنو كتستهلك فالمخدرات؟ ليجيبه الظنين "الحشيش"، ليرد عليه رجل القضاء "غير الحشيش صافي المخدرات الأخرى لا؟ وهو ما أكده الشاب بالقول "كنكمي غير الحشيش والكارو، وعمري غادي نعاود". ومن الكلمات التي خلفت صدى إيجابيا في نفوس المتابعين مخاطبة القاضي المذكور، المتهم الذي كان يتابع في حالة سراح، من أجل استهلاك المخدرات بالقول "نتا باقي صغير ودري نقي واش مابقاوش فيك والديك اللي جرجرتيهم للمحكمة؟ شوف كيفاش عذبتيهم والحالة اللي ولاو عليها بسبابك؟ واش ماشي حشومة تجازيهم هكا بهاد السلوك؟"، وهو ما أثر في نفسية المتهم الذي طأطأ رأسه تعبيرا عن ندمه، قبل أن يعبر عن أسفه ونيته في التخلي عن سلوكه غير السوي الذي كان في لحظة طيش فقط. وختم القاضي جمال التوزي حديثه "ربي بغاك تحيد البلية ملي جابك قدام المحكمة، نتمنى تجمع راسك وتديها فقرايتك ومستقبالك، رجع لبلاصتك حتى نبتو فقضيتك، سير أولدي الله اعفوا عليك"، وهي الكلمات التي تردد صداها في القاعة لما حملته من مضامين أكدت على إنسانية قاض لم يكتف بالكفاءة وسعة الصدر بل تجاوز أسلوب عمله الناجع إلى الحرص على ترسيخ المحكمة الاجتماعية قبل الجنحية الزجرية، وهو أسلوب يبتغي الإصلاح والتهذيب في حالات تحتاج إلى النصح والتقريع عوض الاعتقال وضياع المستقبل الدراسي أو المهني. محمد بها