fbpx
مقالات الرأي

حامد عبد الصمد: غزوة “البوركيني”

حامد عبد الصمد *
 
أنا شخص لا ديني. ومع ذلك أخلع حذائي لو دخلت مسجدا، وأخلع قبعتي لو دخلت كنيسة. وحتى لو لم أشارك المؤمنين صلاتهم، فإني أتحلى بالصمت حتى لا أزعج من يصلون، لأن الزائر عليه أن يحترم قواعد وطقوس المكان الذي يزوره، حتى إذا كان غير مقتنع بجدوى هذه القواعد. وذات مرة، أردت دخول «ساونا» في ألمانيا، وقالت موظفة الاستقبال إنه ممنوع ارتداء لباس البحر داخلها وعلي أن أكون عاريا تماما، فرجعت دون دخول «الساونا»، ولم أعتبر ذلك اعتداء على حريتي، لأن كل مكان له قواعده وأسبابه. ولكن الغطرسة الدينية تجعل الشخص المتدين يعتقد أن الجميع يجب أن يلتزموا بقواعده الدينية في كل مكان، فيريد أن يحول الجامعة والمسابح و»الساونا» والمؤسسات الحكومية إلى دور عبادة تلتزم بالزي الإسلامي وبمواعيد الصلاة وتفصل بين الجنسين، وإن لم يفعلوا ذلك، فيعتبره تعديا على حريته وإهانة لمعتقده.
في عالم مثالي، وتحت بند “الحرية لا تتجزأ”، كان من الممكن أن تلبس فتاة جامعة طنطا فستانها بحرية ودون نقاش أو جدل وبدون تدخل النيابة العامة لحسم الخلاف، كما أيضا كان من الممكن لفتاة «البوركيني» أن ترتدي ما تشاء في كل المسابح. وأنا عن نفسي أعتقد أن خروج المحجبة للسباحة والمرح شيء إيجابي بدلا من بقائها في بيتها، وأعرف محجبات كثيرات مرحات ومتسامحات. ولكن المشكلة هي أن ثقافة الحجاب والنقاب و»البوركيني» ليست ثقافة تعايش ولا ثقافة حرية وتسامح ولا ثقافة مرح، ولكنها ثقافة تأميم جسد المرأة ثم تأميم الشارع ثم تأميم الجامعات ثم تأميم المسابح عن طريق لباس المرأة. حين دخل الحجاب إلى جامعات مصر، كان ظاهرة فردية، وكانت المحجبة هي الشيء الغريب وسط جموع “السافرات”. وبعد عقود بسيطة، أصبح الحجاب هو السائد وغير المحجبات أقلية منبوذة تعيش تحت ضغوط كبيرة حتى تقبل التأميم وتتحجب أو تعاني التهميش وتضييق الخناق عليها في كل شبر. ثقافة الحجاب هي سبب التنمر على فتاة الفستان. وهذا هو سبب رفض بعض أصحاب المسابح الخاصة دخول «البوركيني»، لأنهم يعلمون أنه نذير التأميم.
المسابح والشواطئ هي أماكن للترفيه والانطلاق، وهي آخر واحات الحرية حيث يتنفس الجسد ويلامس الريح والشمس مباشرة دون حواجز، ودون وجود رقيب أخلاقي يعلق على لبس النساء وطريقة مشيهن. ولكن دخول «البوركيني» لهذا النطاق سوف يكرر موضوع الحجاب في الجامعات. ما كان حالات فردية بالأمس سيصبح السائد بالغد، ومن دخل من باب المشاركة لا المغالبة سيتكلم بالغد باسم التمكين وغزوة «البوركيني»، وسنجد نساء مثل مراقبات جامعة طنطا يوبخن النساء اللاتي لا يرتدين «البوركيني»، وستصبح المرأة التي ترتدي لباس البحر المعتاد هي المنبوذة كما هو الحال في كل الشواطئ العامة بمصر اليوم، وكما هو الحال في الجامعات لغير المحجبات.
ألمانيا قبلت «البوركيني» من باب التسامح، ولكن بمجرد دخوله للمسابح زاد الضغط على كل فتاة مسلمة ترتدي لباس بحر عاد وزاد عدد من يرتدين «البوركيني». ولم تكتف المنظمات الإسلامية بذلك، بل طالبت بمسابح خاصة للمسلمات أو تخصيص أيام سباحة للنساء فقط، واستجابت بعض البلديات الألمانية لذلك، وشعرت الكثير من النساء الألمانيات أنه تم احتلال المسابح من مرتديات “البوركيني” اللاتي لا يأتين بالضرورة للسباحة، بل للقاء أخواتهن المسلمات وللأكل والشرب والمسامرة ولعب الأطفال داخل حمام السباحة، مما يجعل السباحة غير ممكنة والمكان كله ضجيج. وهكذا تحول «البوركيني» من رمز للتعايش والتسامح لرمز الفصل بين الجنسين وبين المسلمين والألمان، وأصبح وسيلة للضغط الأخلاقي على كل فتاة مسلمة كي ترتدي الحجاب و»البوركيني» وتنشر رموز الإسلام السياسي في الشارع والمدرسة والمتجر والمسبح.
لو كان «البوركيني» والحجاب مجرد لباس تختاره المرأة لوصلنا لحل وسط، وهو أن تلبس المرأة ما تريد سواء «بوركيني» أو «بيكيني». ولكن ثقافة «البوركيني» تحتقر من ترتدي «البيكيني»، بل تحتقر من لا ترتدي الحجاب وتعتبرها ساقطة أو عاصية وتعدها بنار جهنم. الحجاب و»البوركيني» هما أداتان من أهم أدوات الإسلام السياسي، بل هما راية حربه ضد التنوع والحرية، وقد استثمر الإخوان جهودا كثيرة لنشر الحجاب في الجامعات والمصالح الحكومية لأن الحجاب هو نذير الأسلمة. وهم يفعلون الشيء نفسه مع «البوركيني» اليوم. لذلك فإن ربط «البوركيني» بالحرية هو سوء فهم للحرية، لأن ثقافة «البوركيني» لا تهدأ إلا إذا أممت كل الحريات وأسكتت كل الأصوات.

* كاتب ومفكر مصري مقيم في ألمانيا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى