المحققون ملزمون بتوفير الراحة والطمأنينة للمشتبه فيهم واستبعاد أساليب الترهيب بشرى للمشتبه فيهم ولكل شخص سيحل ضيفا على أحد مراكز التحقيق التابعة للشرطة أو الدرك بسبب تورطه، أو على الأصح الاشتباه في تورطه في جريمة ما، فسوف لن يلقى سوى المعاملة الحسنة والتفهم من قبل المحققين، وسيفاجأ برحابة الصدر والتفهم الكبير والابتسامة العريضة من قبل مستجوبيه.سيتخلى المحققون عن قسوة قلوبهم، وعن تقاسيم وجوههم التي يتعمدون أحيانا تغييرها لتصبح قاسية وتعبر عن غضب داخلي من شأنه أن يزرع الرعب في نفس المشتبه فيه وتدفعه إلى الاعتراف بما اقترفه وبما لم يقترفه، وستختفي قريبا من قاموسنا الشعبي كلمات من قبيل «فلاقة» و»التعلاق» و»الطيارة»... المحققون سيصبحون لطفاء ظرفاء مستعدين لتلبية كل طلبات المشتبه فيه، عفوا الزبون، كما يسميه الإخوة في كندا، وقد تشهد مراكز التحقيق، إذا ما تتبعنا تعليمات الكنديين، إقبالا من قبل المجرمين ومقترفي الجرائم عليها من أجل الاسترخاء والاعتراف بما يثقل كاهلهم. السر وراء هذا التحول الكبير هو التكوين الذي يتلقاه بعض الضباط المحققين المغاربة، طيلة الأسبوع الجاري، بأحد فنادق البيضاء، من نظرائهم من الدرك الملكي الكندي، وهو تكوين مرتبط بالتقنيات الحديثة في التحقيق التي تقوم على خلق جو من الثقة والطمأنينة لدى المشتبه فيه حتى يتسنى الحصول منه على الحقيقة، على اعتبار أنه مالكها الأول والأخير.العملية كلها مرتبطة بإدارة التحقيق من خلال ثلاث مراحل، كما حددها أحد المشاركين في التكوين، مرحلة المقابلة غير الموجهة، ومرحلة ثانية انتقالية، ومرحلة المقابلة وخلال جميع المراحل يتم طرح أسئلة مرتبطة بسلوك «الزبون» وتهدف إلى استخراج معلومات من ذاكرته والوصول إلى الحقيقة بتقنيات تحترم القانون ومبادئ حقوق الإنسان المتعارف عليها دوليا، أي بالعربية التعرابت «استبعاد أساليب التعذيب والترهيب النفسي». أحد المكونين لخص الفكرة بالقول إن المشتبه فيه يجب أن يعامل كزبون، حيث الترحيب اللائق والمعاملة الجيدة، وترك المجال له لاستجماع أنفاسه، مع تعمد الحديث معه بشكل عاد في المرحلة الأولى والثانية قبل الدخول إلى المرحلة الثالثة التي يتم خلالها توجيه أسئلة مباشرة ودقيقة له. الإخوة الكنديون لقنوا لنظرائهم المغاربة بعض التقنيات الدقيقة من قبيل المسافة الواجب تركها خلال الحديث مع المشتبه فيه، والاقتراب منه بشكل متعمد أحيانا، ويستحسن أن يكون المحقق، وهذه لم يقلها الكنديون بل حبذتها شخصيا، أن يضع المحقق عطرا جميلا حتى يسترخي المشتبه فيه ويقر بالحقيقة كاملة، بعد أن يشمه. الهدف من وراء كل هذا الترحاب بالمشتبه فيه عفوا الزبون هو خلق أجواء ثقة بينه وبين المحقق حتى يتسنى الحصول على معلومات من شأنها أن تقود إلى الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة، لكن الإشكال الذي يطرح هل المحقق المغربي يتوفر على المواصفات نفسها التي يتوفر عليها المحقق الكندي، وعلى رأسها الراحة المادية والمعنوية، وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل يمكن لمحقق يتنقل إلى عمله عبر حافلة للنقل العمومي، ويترك زوجته بمصروف يومي هزيل وبمعاناة نفسية كبيرة جراء عدم انتظام أوقات عمله، أن يحقق الراحة والطمأنينة للمشتبه فيه؟هل يمكن لمن يفتقد الراحة بسبب الديون المتراكمة وضغط ساعات العمل الإضافية، وعدم الحصول على الترقية في الوقت المناسب والمعاناة من سلوك بعض الرؤساء في العمل غير القويم، أن يوفر هذه الراحة للغير؟ ملاحظة أخيرة لا بد من إبدائها وهي أن بعض المتهمين أو الزبناء يصعب على أي كان أن يحقق الاسترخاء والراحة لهم خلال فترة الحراسة النظرية المحددة في 48 ساعة أو حتى 72 في حال التمديد، وهم الذين عانوا طيلة سنوات وتدمرت نفسيتهم بسبب عوامل يتداخل فيها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.فاقد الشيء لا يعطيه، وقبل الأخذ بالتجرية الكندية التي لا يختلف اثنان في أنها نبيلة في أهدافها، يجب توفير الأرضية المناسبة لتطبيقها. الصديق بوكزول