العنف ليس سلوكا مستفحلا هل هناك نزعة مجتمعية نحو العنف، أم أنها فقط حالات معزولة لا تصل حد اعتبار العنف ظاهرة مجتمعية؟ بمجرد طرح هذا السؤال، يذهب بنا التفكير إلى نظرية طوماس هوبز الذي كان يقول إن الإنسان عدو الإنسان، والإنسان شرير بطبعه، والمجتمع هو الذي يعلمه ويلقنه العديد من القيم الاجتماعية والأخلاقية، حتى لا يبقى عنيفا أو شريرا ، وهذه الفكرة تحيلنا إلى الفكرة التي كان يدافع عنها جون جاك روسو في كتابه العقد الاجتماعي الذي يذهب فيه إلى القول إن الحياة الاجتماعية والعلاقات بين الناس مبنية على التعاقد، لأنه من الصعب الحياة في جو من الفوضى والاعتداءات على حريات وممتلكات الآخرين، لذلك لا بد من التعاقد.وبالتالي، فالعنف حسب هذه النظريات طبيعي في الإنسان، فهو عنيف مع نفسه، ومع الطبيعة وقد يصدر هذا العنف نحو الآخرين، هذه الفكرة بطبيعة الحال هي التي يدافع عنها الكثير من الفلاسفة والمفكرين الذين يذهبون إلى أن الديانات والقوانين والأعراف والشرائع الأخلاقية جاءت لتعذب الإنسان وتمنع عنه تصريف العنف اتجاه المجتمع، حتى تستقيم الحياة. لكن هناك نظرة أخرى متناقضة، تذهب إلى أن المجتمع هو الذي يظهر نزعة العنف في الفرد، فالأخير يولد على الفطرة، وهي الفكرة التي ذهب إليها جون لوك والتي يقول فيها إن الطفل يولد صفحة بيضاء، والمجتمع وإكراهات الحياة والتحديات التي تواجهه هي التي تجعل منه عنيفا في بعض المواقف. نجد هذه الفكرة أيضا حتى في الدين الإسلامي الذي يذهب إلى أن الإنسان يولد على الفطرة وأبواه، وعائلته، هم الذين ينشئونه على السلوك السوي المتسامح أو على السلوك العنيف والعدواني، لذلك لا يمكن أن نقر بأحد هذين الاتجاهين ونقول إن المجتمع، حسب قوانينه وأخلاقياته وشرائعه وأعرافه وتقاليده، يمكن أن تظهر في العنف كما يمكن أن يخفيه. أما في ما يتعلق بالمجتمعات المعاصرة، والمجتمع المغربي على وجه الخصوص، فهذا الأخير لا يمكن أن يخرج عن نطاق هذه الفلسفات والنظريات والديانات السائدة، فهو أيضا كسائر المجتمعات الأخرى، يمكن أن تظهر فيه من حين إلى آخر سلوكات عنيفة لبعض أعضائه، لذلك أحيانا تتوفر بعض الظروف التي يكثر فيها العنف وأحيانا تغيب، وعليه من الصعب القول إن العنف ظاهرة مستفحلة في المجتمع المغربي، فقد تكون هناك حالات، لأن الحياة داخل المجتمع قد تدفع الإنسان إلى أن ينهج بعض السلوكات العنيفة. برأيكم ما هي الأسباب التي تدفع إلى نهج سلوكات عنيفة؟ تتعدد الدوافع ويمكن أن نميز من بينها أسباب ذاتية، مثل بعض الاختلالات النفسية والاضطرابات الناتجة عن الأمراض العقلية أو النفسية أو الإدمان أو الشعور بالاستفزاز وإثارة الغضب في الإنسان، وقد تكون هناك أسباب موضوعية، ترجع إلى المجتمع في حد ذاته من قبيل غياب الأمن والعدالة الاجتماعية والإنصاف وانتشار البطالة وتفشي الأمية والجهل، وعدم مواجهة الظلم في المجتمع، كل هذا يمكن أن يؤدي بالفرد الذي يتعرض إلى مثل هذه الإكراهات الذاتية أو الموضوعية إلى أن يكون عنيفا أو أن ينهج سلوكات عنيفة تجاه نفسه، مثل الانتحار، أو اتجاه الآخرين، مثل ارتكاب الجرائم وعمليات الانتقام والكثير من السلوكات التي تصنف عنيفة في المجتمع. هل صحيح أن فئة الشباب الأكثر نهجا للسلوكات العنيفة على اعتبار خصائصها الفزيولوجية وسرعة ارتفاع منسوب الغضب لديها؟ الكثير من الباحثين والدارسين يذهبون إلى أن الشباب، أو بالأحرى مرحلة الشباب، هي التي تكثر فيها السلوكات العنيفة، على اعتبار خصائصها الفيزيولوجية وسرعة الإثارة والتأثر، لكن، لا يمكن نهائيا أن نثق في هذه الفرضية، باعتبار أن السلوك العنيف يمكن أن يظهر عند كل الفئات الاجتماعية وكل الأعمار، أطفال وشباب وكهول، وذكورا وإناثا، في المجتمعات المتحضرة كما في تلك التي تصنف على أنها متخلفة أو تقليدية.وبالتالي العنف لا يمكن ربطه بالشباب فقط، حقيقة أن هذه الفئة تكون أكثر الفئات الاجتماعية بحثا عن إثبات ذاتها وتعبيرا عن مواقفها، لكن من النادر أن يكون هذا البحث عن إثبات الذات أو التعبير عن هذه المواقف، عنيفا، بل هم أيضا ينهجون سلوكات سوية ويؤمنون بالحوار ويتطلعون إلى تحقيق أهدافهم وغاياتهم بالطرق السلمية وربط علاقات اجتماعية مقبولة مع الفئات الاجتماعية الأخرى.علي شعباني ,أستاذ باحث في علم الاجتماعأجرت الحوار: هجر المغلي