fbpx
افتتاحية

«بلا بلا»

نعتذر عن هذه العبارة، لكن لم نجد مقابلها في اللغة العربية للتعبير عن حالة الإسهال الكلامي والهدر الإنشائي، الذي أضحى الهواية المفضلة لبعض مسؤولي وزارتي الصحة والداخلية في مواجهة جائحة قاتلة، مثل فيروس كورونا المستجد.
«بلا بلا»، هي ما أصبح يتقنه مسؤولون يجلسون خلف مكاتبهم، ويداعبون فأرة حواسيبهم لقراءة آخر الأرقام والإحصائيات والبيانات، مثل أيها الناس، ثم يخرجون إلى الرأي العام لتلاوة ما كتب لهم من تقارير، بناء على هذه الأرقام.
«بلا بلا»، هو التعبير الصحيح عن حالة الإفلاس والعجز والشلل والفشل المزمن في مواجهة أزمة، تعاملنا معها بكثير من التساهل واللامبالاة، حتى فاض العجين عن العجان، وتحول المغرب من مثال يقتدى به في بداية انتشار الفيروس، إلى نموذج في سوء التدبير، تفرض الدول المجاورة حزمة إجراءات على حدوده ومواطنيه، بشبهة نقل العدوى والفيروس.
هكذا، انتقلنا من القمة إلى الهاوية، في أقل من ثلاثة أشهر، بسبب الثقة الزائدة والاطمئنان الكاذب والحروب الصغيرة على المصالح والمواقع والمسؤوليات، والتسابق على اقتسام غنائم معركة لم تنته بعد مع الفيروس.
إن ما وقع في الحرب على «كوفيد19»، يذكرنا بهزيمة جيش المسلمين في غزوة أحد في السابع من شوال في السنة الثالثة للهجرة، حين اعتقد الجنود أنهم ظفروا بنصر أمام جيش المشركين، فنزلوا لجمع الغنائم من الساحة، قبل أن يباغتهم العدو من الخلف، ويلحق بهم شر هزيمة، وقيل إن الرسول (ص) جرح في المعركة نفسها بسبب تهور البعض.
هزيمة كانت متوقعة، بسبب الطمع البشري وحب الذات، واستباق النتائج قبل أن تحصل في الواقع، وهو درس لم نتعلم منه للأسف، ومازال البعض يمعن في ارتكاب الأخطاء نفسها، التي تؤدي إلى الكوارث ذاتها في الزمان والمكان.
الآن، وبعد الذي وقع، لم يعد بعض الوزراء يملكون غير الكلام، وترديد عبارات الخوف والقلق على وضع يتحملون فيه قسطا كبيرا من المسؤولية، دون أن نسقط من الحساب طبعا المسؤولية الملقاة على المواطنين، الذين أساؤوا فهم إجراءات التخفيف من الحجر الصحي، والنتيجة هي ما نراه اليوم من آلاف الإصابات اليومية وعشرات الوفيات وانهيار أجزاء كبيرة من المنظومة الصحية، وعياء مزمن في صفوف الأطباء والممرضين والتقنيين وقوات حفظ النظام.
إن المرحلة خطيرة، أكثر مما يمكن أن يصور لنا أي مسؤول يقف مرتاحا فوق منصة البرلمان.
خطيرة بكل المقاييس على القطاع الصحي والاقتصاد الوطني ومقدرات الدولة ومواردها، وعلى القوت اليومي للمواطنين، الذين يعيش أغلبهم في وضعية بطالة مقنعة.
خطيرة للغاية، ما يتطلب جهدا مضاعفا من المسؤولين وتعبئة وطنية جديدة وذكاء حكوميا خلاقا للخروج من عنق الزجاجة، بدل المراهنة على حملات تحسيس باهتة، أو وضع كل البيض في سلة «لقاح» قد يكون أولا يكون.
الوضع خطير ياسادة، لم يعد في حاجة إلى تشخيص، أو فهم، أو تحليل، أو نقاش، أو كلام زائد.
يحتاج فقط إلى عمل ونزول إلى الميدان.
يحتاج إلى «تقطاع الصباط»، من رجال يضعون الوطن فوق أكفهم.
وليس إلى مزيد من «بلا بلا».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى