مهاجرون أفارقة يصنعون الشهرة لسوق أغلقه الكساد وحسابات خاطئة لباعة متجولين مغاربة حين رفض الباعة المتجولون الذين عمروا طويلا في ساحة «الباب الكبير» بباب مراكش بالدار البيضاء، الانتقال إلى السوق النموذجي الذي أعدته من أجلهم السلطات سنة 2003، للحد من زحف الظاهرة على اليابس والأخضر في المكان، إلى حد تهديد تجار المحلات بإغلاقها احتجاجا قبل أن يغلقوها إفلاسا، (حين رفضوا الانتقال)، لم يكن أحد يتوقع أن يكون رفضهم مبنيا على حسابات خاطئة، وأن الأيام ستثبت أن منبع رفضهم هو فقدان العزيمة في تحويل السوق النموذجي إلى سوق حقيقي يكسب شهرة خاصة تجلب إليه المشترين من كل مكان. ولم يكن أحد كذلك يتوقع أن العزيمة ستأتي من السنغال ومالي وبوركينافاسو وغيرها من الدول الإفريقية التي يهجرها أبناؤها بحثا عن الأفضل، ويكون عليهم المرور من المغرب معبرا إلى هذا «الأفضل» قبل أن يكتشفوا أن في بلدنا فرصا للكسب في انتظار إيجاد الوسيلة للعبور إلى أوربا.نجح، إذن، الأفارقة القادمون من السنغال ومالي وبوركينافاسو وغينيا في وضع حد لأزمة السوق النموذجي الذي رحل إليه قصرا باعة الباب الكبير المتجولين. ولم يتوقف نجاحهم عند إنقاذ مشروع رفضه الباعة وساقوا أمام رفضهم عشرات الأسباب أهمها الكساد، بل بعث هؤلاء الحياة في سوق مات في المهد، وأعطوه اسما جديدا: «سوق السنغال» وشهرة تمتد يوما بعد آخر.السمك المقدد، التوابل الحارة، العصائر الإفريقية، «الديكورات» والبخور والعطور والأثواب والشعر المجعد الطويل والقصير، مواد التجميل...وغيرها من السلع والخدمات التي يقدمها أفارقة يكترون محلات تجارية أغلقتها قلة حيلة التجار المغاربة، الذين عاد بعضهم إلى «الفراشة» وأكروا محلاتهم للأفارقة الباحثين عن معبر إلى أوربا، وفي انتظار تحقيق ذلك لا يهدرون الوقت.1500 إلى 2000 درهم هو السعر الذي يحدده التجار لمحلات استفاد منها بعضهم بثمن رمزي لا يتجاوز 5000 درهم، «كان أغلبها مغلقا، لكن بعد أن انتقل إليها الباعة الأفارقة المتجولون، أصبح مزدهرا، الآن هناك محلان أو ثلاثة فارغين، لكن سرعان ما سيتم كراؤها بأزيد من 1500 درهم للشهر» يقول أحد التجار المغاربة، الذين أصبحوا يشكلون قلة وسط أفواج التجار الأفارقة الذين تركوا الفراشات في باب مراكش واكتروا محلات السوق النموذجي لترويج سلعهم الإفريقية. «نعم هذا سمك»، وقبل أن يتلقى سؤالا إن كان صالحا للاستهلاك، يقول البائع السنغالي «طبعا تعرفين اللحم المقدد...وهذا سمك مقدد لكننا في بلادنا لا نفعل به كما تفعلون بلحوم خروف العيد، بعد ندخل السمك في فرن تقليدي ونستخدم الخشب ثم نطهو السمك على البخار، قبل أن يقدد، ويبقى صالحا للاستهلاك سواء بإعادة طهيه أو يمكنك تسخينه فقط»، يشرح البائع الإفريقي الذي يعرض بالإضافة إلى السمك المقدد الموز و»سندويتشات» سنغالية يقبل عليها الباعة الأفارقة والمغاربة على حد سواء. على الجهة المقابلة تفاوض حلاقة سنغالية زبونة حول سعر شعر مجعد، «لا أقسم إنه من البرازيل، هذا شعر حقيقي، لكن ثمن هذا يمكن أن يكون مناسبا لك»، تمعن الزبونة المغربية في فحص خصلات الشعر المعروضة للبيع، قبل أن تجدد مساوماتها، «1300 درهم، والله ما نزيدك ريال» تق، في تقولها بالدارجة المغربية، ولن يشكل ذلك حاجزا أمام البائعة الإفريقية التي ستعبر عن قبولها بالدارجة أيضا «صافي يا له خوذيه، باش ترجعي مرة أخرى». فيما تخلى عنها بعضهم ببيعها مقابل 50 ألف درهم قبل سنوات، اعتقادا منهم أن موقع محلات السوق النموذجي لن تفلح في جلب الزبناء، فإن آخرين استفادوا أكثر ببيعها مقابل 200 ألف درهم، بعد أن اكتسب سوق السنغال شهرة وتحول إلى قبلة للمهاجرين الأفارقة على وجه الخصوص ومغاربة وأجانب من جنسيات أخرى يبحثون عن سلع إفريقية حقيقية، وبعضهم يطلب الحلاقة لدى حلاقين أفارقة يتقنون القصات الرياضية، لذلك يتوافد عليهم شباب من هواة لاعبي كرة القدم وقصات شعرهم الغريبة. قد لا تشكل الأسماك المقددة مادة للدهشة ولا خصلات الشعر ولا محلات الحلاقة المنتشرة كالفطر أو مقاهي صغيرة لبيع أكلات إفريقية رخيصة، ولا أيضا العطور أو الأثواب، لكن أغرب ما يثير الدهشة هو إتقان أفارقة يعبرون المغرب من أجل البحث عن فرصة ل»الحريك»، خياطة القفطان والجلباب المغربي. بعضهم نجح بالفعل في الهجرة وسلم مفاتيح الدكان لوافد جديد، لكن بعضهم الآخر تخلى عن فكرة الهجرة نهائيا وتزوج وأنجب أبناء يدرسون في مدارس البيضاء الحكومية، «نعم يدرسون مع المغاربة،يتقنون العربية» يقول تاجر مغربي، كان جالسا عند حدود محله بمحل تاجر إفريقي، هذا المحل يكتريه سنغالي إنه هناك في مسجد السوق يصلي، سيعود ويخبرك بقصته، جاء إلى المغرب من أجل الهجرة لكنه الآن لا يفكر فيها أبدا تزوج مهاجرة من بلده وأنجبا أبناء يدرسون الآن في المدارس الحكومية ويتكلمون الدارجة المغربية» يقول التاجر المغربي، قبل أن يضيف بما يشبه الغيرة «اختي عندهم الزهر تيبيعو مزيان، احنا غير مشمشين، وهما عندهم الرواج». ضحى زين الدين