القضاء في أحكامه يتأثر بما يروج من أفكار ساهمت الصحافة في صنعها بشكل كبير رغم أن العدالة هي قيمة إنسانية تختلف عن كل التصورات الاقتصادية التي تعتمد وسائل العمل والإنتاج والكلفة والجودة، فإن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية التي عرفها العالم، وحاجة المواطن إلى عدالة ناجعة وجيدة،كلها وغيرها أسباب دفعت إلى تفكير الفقه والمسؤولين الحكوميين والقضائيين، بالمغرب وخارجه في إعمال تلك التصورات على العدالة الجنائية. "... للشهادة، كوسيلة من وسائل الإثبات في الميدان الجنائي، وكدليل فوري ومباشر، أهمية خاصة وخطورة بالغة، بالنظر إلى أن ذلك الإثبات ينصب على وقائع مادية ونفسية لاسبيل إلى التدليل عليها بالحجة الكتابية، على خلاف الإثبات في الميدان المدني الذي ينصب على وقائع قانونية يسهل إعداد الدليل المكتوب بشأنها سلفا، ومن ثمة كان القاضي المدني يبحث في الإثبات عمّا هو مكتوب أولا ثم يلجأ بعد ذلك إلى الشهادة والقرائن، بينما القاضي الجنائي لا قيد عليه، فكل الأدلة يمكن اعتمادها تحت رقابة ضميره واقتناعه الصميم " ( المادة 286 من قانون المسطرة الجنائية) ""...فقد وضع المشرع قواعد قانونية لضبطها ( الشهادة ) وضمان جديتها وصدقها، فنص على إلزام الشاهد بأداء اليمين القانونية قبل أداء الشهادة، وأن يفضي بها شفهيا أمام القاضي لتمكينه، وتمكين الأطراف، من ملاحظة ملامحه وتعبيرات وجهه ومناقشته في شهادته، حتى يستشف مدى صدقه أو كذبه...""...إن من واجب المتهم ومن حقه في الوقت نفسه أن يحضر إجراءات محاكمته، ومن واجب المحكمة أن تحرص على توفير هذا الحق له، لأن في تبصيره، وجعله على بينة مما يدور حوله، عن طريق حضوره لكل الإجراءات، وسماع كل ما يقال أثناء محاكمته، ضمانا لحقه في الدفاع...""... وإذا كان الأصل ضرورة حضور المتهم، فإن الشاهد ملزم كذلك بالحضور، بل إن فقهاء الشريعة قد أعطوا للشهادة معنى الحضور "ويقال إنها مشتقة من معنى الحضور، لأن الشاهد يحضر مجلس القاضي ومجلس الواقعة، قال تعالى " وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود" أي حضور، ولأن الشاهد يحضر المجلس للإدلاء بأقواله، فإن أداءه يسمى شهادة، وقال تعالى " فمن شهد منكم الشهر فليصمه" سورة البقرة الآية 185)، أي من كان حاضرا شهر رمضان وهو مقيم غير مسافر فيجب عليه الصوم .""...وإذا كان سماع شهود الإثبات ومناقشة المتهم أو دفاعه لهم لا يقل أهمية عن الاستظهار بشهود النفي، فإن ذلك السماع وتلك المناقشة وحضور المتهم والشهود كل إجراءات الدعوى تعد ترجمة حقيقية لمبدأ "المواجهة والمحاجة " المؤسس على تمكين كل خصم من الوقوف على أدلة خصمه ومعرفة مضمونها حتى يتمكن من دحضها بأدلة أخرى مضادة لها، أو إثبات وهنها وتخاذلها."" فإذا كان بإمكان بعض الشهود أن يحافظ على هدوئه، ولو لم يكن صادقا، وقد يستصدر نتيجة ذلك ثقة بأقواله، سيما إذا كانت هي الدليل الوحيد، مما قد يغلط العدالة، ما لم يتم بذل جهد خاص من المحكمة ومن الأطراف لاستخراج الحقيقة من تصريحاته، فإن البعض الآخر لا يستطيع أن يخفي اضطرابه، خاصة عند مواجهته بالأسئلة، من طرف المحكمة ومن طرف الخصوم أو دفاعهم، وهو ما لا يتأتى لهم إذا كان الشاهد غائبا أو مغيبا، أو مصرحا في سماعة هاتف أو اسطوانة أو عبر شاشة تلفاز."..."ومن ثمة تتطلب المواثيق الدولية وقوانين الإجراءات الجنائية في الشهادة – كمبدأ عام - أن تؤدى شفاهة أمام العدالة، مباشرة وجها لوجه، ولا يجوز الاكتفاء بالشهادة المدونة في أوراق، أو في محاضر الضابطة القضائية (العمل القضائي لمحكمة النقض ) ويجب أن يسمع القاضي الشهادة من فم الشاهد مباشرة وبدون أي وسيط بشري أو تقني، لأن التفرس في وجهه وملاحظة حالته النفسية عند أدائه للشهادة، وارتباكه من عدمه، يساعد القاضي كثيرا على تقديرها، فالحقيقة ينقب عنها القضاة والأطراف داخل تصريحات الشهود.""... وإذا كان القاضي لا يمكنه أن يبني حكمه إلا على حجج عرضت أثناء الجلسة ونوقشت شفهيا وحضوريا أمامه ( المادة 287 من قانون المسطرة الجنائية)، فإن ذلك مؤسس على ما سبق ذكره من حقوق متع المشرع المتهم بها، بحيث لا يتصور بناء القاضي لحكمه على ما ذكر من الحجج، دون أن تعرض الأدلة بالجلسة، ودون أن تكون هناك علانية وحضورية وشفهية، فالبنيان المسطري متماسك ومتساند يشد بعضه بعضا، لأن لحمته واحدة هي حقوق الإنسان ".هذه بعض الملاحظات التي أذكر بها لكل غاية مفيدة، ويبقى الحل المقترح هو امكانية الإستفادة من تقنيات التواصل المعلوماتي بأساليبه كلها لخدمة العدالة الجنائية، شريطة عدم اعتراض الأطراف على ذلك، او عدم تقرير المحكمة، في إطار ضمان شروط المحاكمة العادلة، ضرورة حضور الشهود او المتهمين او الضحايا شخصيا امام القضاء .أما عن علاقة العدالة الجنائية بالإعلام، فأكيد أن الحرية المسؤولة للصحافة، وعدم إمكانية الكشف عن مصدر المعلومة والحق في الإعلام وفي الوصول الى المعلومة القضائية، وتوسيع دائرة المشاركة والمراقبة المجتمعية،كلها حريات وحقوق دستورية، لاديمقراطية بدونها، شأنها شأن استقلال القضاء واحترام الحياة الخاصة للأفراد والحق في الصورة، وقرينة البراءة، وما يترتب عنها من سرية البحث والتحقيق، الأمر الذي يؤول في كثير من الأحيان إلى تصادم بين الأولى والثانية والى تجاوز الحدود، للمشي على حريات وحقوق أخرى .فالإعلام الذي يعتبر من أول المدافعين عن استقلال سلطة القضاء عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأول الكاشفين عن تجاوز هذه السلطة او تلك لحدود السلطة الأخرى ، سيما القضاء ، قد ينسى بعض العاملين في إطاره، أحيانا، وليس كلهم، بأنه هو أيضا سلطة رابعة، أضحى لها النفوذ الكبير، يجب أن يبقى القضاء مستقلا عنها، والإشكال هنا أنها هي المتحكمة في الإعلام، فإن وقع الاعتداء منها قد لا يجدي الرجوع إليها، لإعادة الأمور الى نصابها لدى الرأي العام، وقد تنأى عن الإقرار بتجاوزها، فتتقوى بعد أن تلتف مكوناتها حول " النصرة والتضامن المهني "، فتختل الموازين، وقد تضيع الحقوق والحريات؛ فتكييف الرأي العام وتجييشه في نازلة معروضة على القضاء، هو التأثير عينه على سلطته، لأن القضاء في كثير من النوازل المتعلقة بالرأي العام يروم التشديد أو التخفيف في العقوبة حسب ما يروج خارج قاعات المحاكم من أفكار ساهمت الصحافة في صنعها بشكل كبير؛ ثم إن سرية البحث والتحقيق وقرينة البراءة والخصوصية كلها أمور قد تتعرض أحيانا لتعسف السلطة الرابعة، ما يقتضي وضع ضابط للعمل الإعلامي، يكون القضاء هو الرقيب عليه، ليس للحد من حريته، ولكن لتحديد مجالات الحقوق والحريات التي لا ينبغي المساس بها من طرفه، ومن آليات ذلك تخصص القضاء في مجال الإعلام، لكي لا يتم الحد من حريته دون وجه حق، وتوفير المعلومة القضائية الصحيحة للإعلام من جهات ضبطية أو قضائية مؤهلة لذلك، ووضع مثياق أخلاقي للعمل الصحافي، وخلق هيأة مهنية وطنية تسهر على مراعاة أخلاقيات المهنة من الممارسات المخلة بنبل وسمو رسالتها، حتى يتم ربط المسؤولية بالمساءلة . أما بخصوص التقييم والتتبع، فإن وضع أية آليات لمحاولة الرفع من نجاعة العدالة الجنائية، سواء على مستوى المنظومة القانونية أم على مستوى الهياكل المادية والبشرية، سيفقد مع مرور الزمن من قيمته إلى حد التلاشي، ما لم يتم التتبع والتقييم عن طريق آليات كثيرة، منها تنظيم ندوات لمعرفة رأي كل المعنيين بالأمر والرأي الآخر من خارج منظومة القضاء، للوقوف على مكامن ضعف العمل في مجال النجاعة القضائية لدى كل متدخل في قطاع العدالة الجنائية، وإحداث "لجنة لنجاعة العدالة الجنائية "يكون من مهامها، على الصعيد الجهوي أو المحلي وضع الخطوط التوجيهية لتسيير الوقت القضائي وخلق شبكة إلكترونية ووضع معايير لتجميع وتحليل المعطيات القضائية المبنية على إحصائيات ميدانية وتحديد التدابير الواجب اتخاذها وكذا وسائل التقييم، في إطار ربط النتائج بالوسائل وبالغايات، مع ضرورة تحرير تقارير في هذا الإطار، يتم نشرها وإبلاغ نسخ منها إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية. ومن ذلك أيضا وضع " مؤشرات للأداء متفق عليها تمكن من اجراء المقارنات والتقييم (مؤشرات للتبليغ ومؤشرات للتنفيذ والمعدل الزمني المتوسط للبت في القضايا )". في الختام، ألاحظ أن الخطاب الملكي ليوم 20/08/2009 قد وضع موضوع الرفع من نجاعة العدالة بين تعزيز ضمانات استقلال القضاء وتحديث المنظومة القانونية وتأهيل الهياكل والموارد البشرية، من جهة، وبين ترسيخ التخليق وحسن التفعيل، من جهة أخرى، مما مؤداه أن إصلاح منظومة العدالة هو كل لا يتجزأ ومجموعة عوامل يشد بعضها بعضا، متى غاب أحدها تعذرت معرفة أثره على صلاح أو فساد المنظومة كلها. بقلم: طيب محمد عمر, المحامي بهيأة الدار البيضاء