ممارسة الإضراب يجب أن تتم في إطار المشروعية والضوابط التي قررها القضاء الإداري للعمل أو الشغل مفهوم راسخ لا جدال حوله، فهو حقيقة ثابتة في الماضي والحاضر والمستقبل، وهو مصدر كل إنتاج وثروة وحضارة وخير ، وهو ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات ويفضله عنها. فبالعمل وحده انتقل الإنسان من حالة الهمجية إلى حالة التحضر والمدنية، وعن طريق العمل تحرر الإنسان من قسوة الطبيعة، محولا مواردها إلى خيرات ينتفع بها ويشبع حاجاته منها باستمرار، وبفضل العمل، أقام الإنسان علاقات اجتماعية ونمت المجتمعات وازدهرت الحضارات وظهرت علاقات العمل التي تطورت من فردية إلى جماعية. يرى هذا الاتجاه من الفقه بأن الدخل باعتباره حق في ذمة المشغل، سواء كان في شكل أجر أو راتب، لا يكون مستحقا إلا بأداء العمل باعتباره واجبا في ذمة العامل أو الموظف. ومعنى هذا أن الأجر مقابل العمل لا يقتصر على العمل التابع، بل يمتد إلى العمل في إطار علاقة نظامية مع الإدارة، وأن القيام بإضراب عن العمل دون أن يكون هناك مبر ر يستدعي ذلك فيه نوع من التعسف في استعمال الحق ، وهي نظرية لئن كانت تجد أساسها في القانون الخاص وفي العلاقات الخاصة بين الأفراد، فإنه ليس هناك ما يمنع من اعتمادها لحكم العلاقة بين الإدارة وموظفيها في حالة تعسفهم على الإدارة باستعمال آلية الإضراب وشل حركة المرفق العام.ومعلوم أن المشرع المغربي من خلال ظهير 24 فبراير 1958 كما تم تعديله مؤخرا قد خصص الباب الثاني لحقوق وواجبات الموظفين ، وYنه لئن سمح للموظف بممارسة حقه النقابي بمقتضى الفصل 14وضمن الشروط المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل -أي القانون التنظيمي للإضراب الذي لم ير النور بعد- ، فإنه أوجب على الموظف بمقتضى فصل سابق - أي الفصل 13- باحترام سلطة الدولة وأن يحرص على احترامها، وأن الإضراب غير المشروع أو المتعسف فيه يخل بالاحترام الواجب لهيبة وسلطة الدولة.ويجد الاقتطاع من الراتب بسبب الإضراب سنده في غياب النص التنظيمي للإضراب فيما استقر عليه القضاء المغربي، خاصة القضاء الإداري، وهو يجسد بحق دور القضاء في خلق القاعدة القانونية أو بعبارة أخرى، فالقضاء يصبح أحد مصادر القاعدة القانونية . وقد اعتبرت المحكمة الإدارية بالرباط في حكم حديث لها تحت عدد148 بتاريخ 7/2/2006 أن الاقتطاع من الراتب بسبب التغيب لممارسة الحق في الإضراب دون إخطار الإدارة يجد أساسه القانوني في الفصل الأول من المرسوم رقم 2/99/1216 الصادر بتاريخ 10 ماي2000 الذي يخضع رواتب موظفي وأعوان الدولة والجماعات المحلية المتغيبين عن العمل بدون ترخيص أو مبرر مقبول للاقتطاع باستثناء التعويضات العائلية وأيضا بناء على مقتضيات الفصل 11 و41 من المرسوم الملكي عدد 330.66 الصادر بتاريخ 1967/4/21 بسن نظام عام للمحاسبة العمومية والذي يجعل أداء الأجرة معلقا على ضرورة تنفيذ العمل .وقد عللت المحكمة حكمها بما يلي :حيث إن إضراب الموظفين هو امتناعهم عن تأدية وظائفهم بصفة مؤقتة تعبيرا عن عدم الرضا عن أمر معين ، وهو من الحقوق المكفولة بمقتضى الدستور الذي نص في فصله14 ( الذي أصبح تقابله المادة ...من الدستور الجديد) على أن حق الإضراب مضمون وسيبين قانون تنظيمي الشروط والاجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق.لكن حيث إنه أمام عدم إصدار الجهات المختصة للنص التنظيمي المشار إليه ، فإن القاضي الإداري بما له من دور في خلق قواعد قانونية عندما يخلو المجال من التشريع ، يكون ملزما بوضع ضوابط ومعايير من شأنها أن تضمن لهذا الحق البقاء والحماية هذا من جهة ، ومن جهة أخرى عدم التعسف في استعماله لحسن سير المرفق العام بانتظام وباضطراد ، وأن هذا المبدأ تم تأصيله من طرف مجلس الدولة الفرنسي الذي أعطى الاختصاص للقاضي الإداري في خلق الموازنة بين مبدأ استمرارية المرفق العام والحق في ممارسة الحرية .وحيث إن حق الإضراب كحق أصيل لا يقتضي طلبا من قبل صاحب الشأن ولا يلزم لنشوئه صدور قرار من الإدارة بالترخيص كما هو الشأن بالنسبة لبعض الحقوق السياسية الأخرى ، إلا أنه لاعتبارات النظام العام وحسن سير المرفق، فإن ممارسته تستوجب التقيد بنظام الإخطار أي أن على الجهة الراغبة في خوض إضراب ما لأسباب مهنية أن تخطر الإدارة بذلك حتى تتمكن هذه الأخيرة من اتخاذ الاحتياطات اللازمة وأن يتم الإعلان المسبق عن الإضراب، لتوضيح أسبابه ومدته ويتم تبليغه للجهات المعينة داخل أجل كاف ومعقول .وحيث يؤخذ من تصريحات الأطراف بجلسة البحث، أن الإضراب موضوع الاقتطاع ليس هناك ما يفيد أنه وقع إخطار الإدارة به الأمر الذي نتج عنه توقيف العمل بمرفق هام ألا وهو مرفق التعليم ،ويجعل بالتالي الغياب عن العمل لأجل ممارسة الإضراب خارج الضوابط المشار إليها غير مبرر وبذلك يكون تفعيل الإدارة لمقتضيات مرسوم 10 ماي 2000 قد تم في إطار المشروعية .الاتجاه الرافض للاقتطاع من الراتب.ويمثل هذا الاتجاه الدكتور عبد العزيز العتيقي، والذي أكد أن السلطة القضائية لا يمكن أن تنوب عن السلطة التشريعية ، وأن الإدارة يجب أن تبادر إلى إرجاع المبالغ المقتطعة من الراتب إلى أصحابها معتبرا أن قرار الحكومة غير مشروع لعدم دستوريته بالنظر إلى أن الموظفين مارسوا حقا مشروعا ودستوريا ولا يمكنهم أن يعاقبوا على هذه الممارسة .ونحن من جانبنا نميل إلى الرأي الأول والذي لئن اعترف بالإضراب كحق دستوري وكإحدى الحريات العامة المكفولة بمقتضى المواثيق الدولية ،فإن ممارسته يجب أن تتم في إطار المشروعية والضوابط التي قررها القضاء الإداري بالأساس - سواء قضاء الموضوع أو قضاء محكمة النقض ومجلس الدولة الفرنسي - في غياب نص تنظيمي ، وأن أسباب عدم المشروعية متنوعة فقد تعود مثلا لعدم احترام شكلية الإخطار ، وقد تتعلق بعدم وجود سبب مبرر للإضراب من أساسه أو على الأقل عدم جديته، وبالتالي فالأمر لا يعدو أن يكون سوى صورة من صور التعسف في استعمال الحق الذي يمنعه القانون . وهذا هو ما يبرر الاقتطاع من الراتب الذي دعا إليه وزير العدل والحريات على هامش الإضرابات الأخير لموظفي العدل لأنه إضراب - بالنظر للامتيازات التي أصبح يحظى بها موظفو قطاع العدل عقب دخول النظام الأساسي لكتابة الضبط حيز التنفيذ - لم يعد لها مبرر .ونعتقد أنه لوضع حد للجدل القائم حول مشروعية الإضراب من عدمه ، والذي على أساسه يتحدد مصير الدخل، إما بالاقتطاع من الراتب أو الأجر، نقترح الإسراع بإخراج مشروع قانون النقابات المهنية ومشروع القانون التنظيمي للإضراب إلى حيز الوجود وهما المشروعان اللذان يراهن عليهما أطراف الحوار الاجتماعي من أجل تنظيم علاقات الشغل سواء في القطاع العام أو الخاص وجعلها أكثر وضوحا .فماهي السمات الأساسية لهذين المشروعين؟ هذا ما سنجيب عنه في المحور الثالث من هذه الدراسة .ثالثا /مشروع قانون النقابات المهنية ومشروع القانون التنظيمي للإضراب. يروم هذان المشروعان اللذان يراهن عليهما أطراف الحوار الاجتماعي إلى تنظيم علاقات الشغل سواء كانت هذه العلاقة في إطار علاقة نظامية مع الإدارة أو في إطار علاقة تبعية ليس إلا . بقلم: يونس العياشي : دكتور في الحقوق,قاض ملحق بوزارة العدل والحريات