حوادثمقالات الرأي

الشهبي: الحق في التعويض العادل

الظهير حدد التعويضات فقط بالنسبة للأضرار التي تتسبب فيها ناقلة ذات محرك (3/1)

بقلم: محمد الشهبي*

لاشك أن الذين عايشوا منا صدور ظهير أكتوبر 1984، المتعلق بتعويض ضحايا حوادث السير، يتذكرون أنه خلق الحدث لأنه من جهة صدر بصفة مباغتة، وباعتبار أنه صدر في صيغة ظهير بمثابة قانون، فإنه لم يكن مسبوقا بنقاش في المؤسسة التشريعية، ولا مرفقا بمذكرة توضيحية لبيان الأسباب وتوضيح المرامي، والحال أنه يهم نسبة كبيرة من الملفات التي تعرض على المحاكم.

أثار ظهير حوادث السير، الحدث لأنه فور نشره بالجريدة الرسمية، ونظرا لأن موضوع تعويض ضحايا حوادث السير، بالغ الأهمية بالنسبة للجميع بالخصوص القضاة والمحامين، فاختلفت الآراء حوله من محبذ ومنتقد، بحسب موقع كل واحد، فشركات التأمين والمدافعين عنها اعتبروا أنه جاء ليضع حدا لتضارب الأحكام في موضوع تقدير التعويضات المستحقة لضحايا حوادث السير وذويهم، والتي تتصف في بعض الأحيان بالمغالاة، ومن منتقد وخصوصا في صفوف القضاة آنذاك، الذين اعتبروه يشكل مسا بسلطة القاضي التقديرية ويحوله إلى آلة حاسبة، وكذا في صفوف المحامين، وخصوصا منهم الذين يغلب على نشاطهم المهني النيابة في قضايا تتعلق بحوادث السير.
وقد عقدت آنذاك عدة ندوات ومناظرات أهمها:
– ندوة عقدت سنة 1985 عقدتها جمعية المحامين الشباب بالبيضاء ركز المتدخلون فيها عموما، على بيان ما يعتري هذا النص من مس بالمبادئ القارة للقانون، والتي تعطي للقاضي السلطة التقديرية لتحديد التعويض المستحق للضحية، حسب وضعيته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وغيرها من العوامل التي تدخل في تقدير التعويض.
– الندوة التي انعقدت في ماي 1985 نظمتها وزارة العدل بالمعهد الوطني للدراسات القضائية آنذاك، ترأسها إدريس الضحاك شكلت بالفعل محاكمة للظهير.
– ثم جاءت بعدها المناظرة الوطنية التي نظمتها جمعية هيآت المحامين بالمغرب يومي 7- 8 نونبر 1986، أي بعد سنتين على صدور الظهير، والتي كان لي شرف تقديم عرض في بدايتها في موضوع المبررات، والأهداف الأساسية لهذا التشريع.
ولا يفوتني أن أقول لكم، بعد رجوعي إلى المجلة التي نشرت فيها أشغال هاته المناظرة – العدد 25 من مجلة المحاماة- بعد حديث في الموضوع مع الأستاذ معاش، أن أقول لكم ما أشبه اليوم بالأمس، وأن ما تمت إثارته في هذه المناظرة، خصوصا حول أسباب صدور هذا القانون ومدى صحتها، تأكد لي الآن أن ما قلته في 1986 مازال يفرض نفسه كما سأبين في عرضي هذا.
السؤال المطروح الآن هو: حق المتضرر في التعويض العادل، ومدى مس هذا القانون بهذا الحق؟ وسأتناول هذا الموضوع من ثلاثة جوانب:
الجانب الأول: المبادئ القانونية المنظمة لحق التعويض ومس هذا الظهير بها
بداية إن الحق في التعويض العادل وعلى قدم المساواة دون تمييز، هو حق دستوري، إذ أن الفصل 19 من الدستور ينص:
” يتمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية…”
وينص الفصل 22 “لا يجوز المس بالسلامة البدنية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت خاصة أو عامة”.
والحق في تعويض المتضرر، وفي جبر الضرر الحاصل له أو لذوي حقوقه، بصرف النظر عمن هو المتسبب ولا ما هي الأداة المستعملة، وهل يتوفر على تأمين أم لا، هو أمر واحد، وينص عليه ظهير الالتزامات والعقود بالنسبة للمسؤولية التقصيرية، ومدونة التجارة بالنسبة للمسؤولية العقدية – مسؤولية الناقل-، والقانون الجنائي بالنسبة للمسؤولية الجنحية أو الجنائية.
– أ) بالنسبة للمسؤولية التقصيرية، ينص الفصل 98 من قانون الالتزامات والعقود على ” أن الضرر في الجرائم وأشباه الجرائم هو الخسارة التي لحقت المدعي فعلا والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر إلى إنفاقها لإصلاح نتائج الفعل التي ارتكب به، وكذلك ما حرم منه من نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج هذا الفعل”.
– ب) وفي المسؤولية العقدية تنص المادة 485 من مدونة التجارة: ” يسأل الناقل عن الأضرار اللاحقة بالشخص المسافر خلال النقل ولايمكن إعفاؤه من هذه المسؤولية إلا بإثبات حالة القوة القاهرة أو خطأ المتضرر”.
– ج) وفي المسؤولية الجنحية الفصل 108 من القانوني الجنائي “التعويضات المدنية المحكوم بها يجب أن تحقق للمتضرر تعويضا كاملا عن الضرر الشخصي الحال المحقق الذي أصابه مباشرة من الجريمة”.
وتقضي المادة 7 من قانون المسطرة الجنائية على أن ” الحق في إقامة الدعوى المدنية للتعويض عن الضرر الناتج عن جناية أو جنحة أو مخالفة، يرجع الحق في إقامته لكل من تضرر شخصيا
بضرر جسماني أو مادي أو معنوي”، أي أن الأضرار التي يمكن للمتضرر المطالبة بتعويضها هي ثلاثة: جسماني ومادي ومعنوي.
والقانون بطبيعة الحال لا يميز بين الضرر الذي تكون الأداة في ارتكابه ناقلة ذات محرك، أو عربة يجرها حصان على سبيل المثال.
في حين أن مقتضيات ظهير 2 أكتوبر، حددت التعويضات فقط بالنسبة للأضرار، التي تتسب فيها ناقلة ذات محرك خاضعة للتأمين الإجباري، وميزت بين الضحايا، فإذا كان الضرر اللاحق بالضحية ناتجة عن ضرب أو جرح أو حادثة تسببت فيها ناقلة ليست لها محرك، فإنه يخضع للمبادئ العامة ويحصل على التعويض الكامل، أما إذا كان الضرر تسببت فيه ناقلة ذات محرك، فإنه لا يحصل إلا على التعويضات المنصوص عليها في هذا القانون، الشيء الذي يمس بمبدأ المساواة بين المتضررين ويؤدي إلى تناقض في الأحكام الصادرة لفائدة هؤلاء أو أولئك، وبالتالي فإن مقتضيات هذا القانون تشكل مسا بالمبادئ القانونية المستقر العمل بها، عندما حدد بالنسبة لبعض المتضررين فقط دون غيرهم نظاما خاصا بالتعويض، يختلف عن نظام التعويض بالنسبة لغيرهم الذي يظل العمل جاريا به، أو بعبارة أخرى، فإن تعويض المتضرر من حادثة سير تسببت فيها عربة ذات محرك حسب هذا القانون يتم تعويضه وفق مقاييس ومعايير تختلف عن مقاييس ومعايير تعويض المتضررين، الذين لم يتسبب في الضرر اللاحق بهم عربات ذات محرك.
أي هناك تمييز بين المتضرر، الذي تسببت له في الضرر ناقلة ذات محرك وهذا يأخذ تعويضا أقل، ولا يخضع للسلطة التقديرية للقاضي، في حين أن الضرر الذي تسببت فيه عربة يجرها حصان أو مجرد عربة مدفوعة أو ضرر ناتج عن ضرب أو جرح غير عمدي أو القتل الخطأ، يظلون خاضعين في تقدير التعويضات عن الأضرار اللاحقة بهم وفقا للأحكام العادية، ويتنج عن ذلك عدم المساواة بين المتضررين.
* نقيب سابق بهيأة المحامين بالبيضاء

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض