يقدم الدكتور محمد كريم، في كتابه الصادر حديثا "الاقتصاد الاجتماعي بالمغرب، التنمية المعاقة وجدلية الاقتصاد والاجتماعية"، مقاربة جديدة لمفهوم الاقتصاد الاجتماعي، من خلال الوقوف على جدلية سوسيو سياسية أفرزها الانتقال من الاقتصاد السياسي إلى الاقتصاد الاجتماعي. ويبحث الباحث محمد كريم، الأستاذ الجامعي بكلية الحقوق بسطات، في الجذور النظرية والفكرية لهذه الجدلية، بالعودة إلى الفكر "الميركانتيلي" الذي ساد في أوربا ما بين بداية القرن السادس عشر وأواسط القرن الثامن، باعتباره نظاما اقتصاديا قام على أنقاض النظام الإقطاعي. يعرض الكتاب تطور جدلية السياسي والاجتماعي في الحقل الاقتصادي، من خلال الوقوف عند مجموعة من التيارات الفكرية والمدارس الفلسفية التي اشتغلت على هذا الحقل، وصولا إلى تأصل الاقتصاد السياسي الكلاسيكي كبديل عن المنظومة "الميركانتيلية"، فكانت نظرية الإنتاج، يقول الدكتور محمد كريم، "مختزلة لفن تكييف ما تنتجه الطبيعة وفق الحاجيات الإنسانية، وكانت نظرية التوزيع تفيد ضرورة تحديد معايير موضوعية وعادلة لتوزيع عائدات الإنتاج، وكانت نظريات التبادل والتجارة الخارجية تجسد مقترحات حول تحديد معايير التبادل داخليا ومع الخارج، وكانت نظرية الاستهلاك تمثل تصور الاستمتاع في نهاية المطاف بما حصل عليه من عرق الجبين".أهمية كتاب "الاقتصاد الاجتماعي بالمغرب"، تكمن في أنه يربط بين الأسس النظرية المؤسسة لهذا الفكر، والتجربة المغربية، من خلال دراسة عميقة لمفهوم الاقتصاد الاجتماعي في الخطاب الحكومي، بين التداول والتجليات والتمثلات، وذلك برصد تنزيل هذه المقاربة في تجارب حكومية تمتد من التناوب إلى حكومة عباس الفاسي، مرورا بتجربة إدريس جطو، إذ يستحضر الكاتب العمل الحكومي في هذا المجال من الاختيارات العمومية بين الحكومات الثلاث.وفي سياق التأسيس لفكرة لجدلية الاقتصاد والمجتمع في الاقتصادي الاجتماعي بالمغرب، انصب جهد الدكتور محمد كريم على فرضية تأثر البنية الاقتصادية بالنسق الاجتماعي والثقافي السائد، وذلك من خلال مقاربة تمثلات الاقتصاد الاجتماعي، من جهة، ومساءلة آليات اشتغال مؤسسات هذا النسق الإنتاجي والعلائقي من جهة أخرى، ليخلص الباحث إلى أن تفاعل النمط العلائقي مع البنيات الثقافية العامة، وفق جدلية المجتمع والاقتصاد، أفضى إلى إنتاج تنمية معطوبة.وتحدث الكاتب عن الخطابات التنموية السياسية والاقتصادية في المغرب في مرحلة ما بعد الاستقلال بمطالب الإصلاح والتنمية والدمقرطة والحكامة الجيدة، لتعير الاهتمام إلى البنيات العمودية دون البنيات الأفقية. كما وقف الكتاب عند التجربة المغربية في مجال الاقتصاد الاجتماعي، من خلال الحديث عن دور تعاونيات الاقتصاد الزراعي والتعاونيات السكنية، رغم ما تعرفه من مشاكل واختلالات في التسيير والإدارة المالية، وقطاع تعاونيات الصناعة التقليدية، ومعيقاته على مستويات الإنتاج والتسويق والاستقرار، في فصل من الكتاب خصص بكامله للحديث عن جمعيات الاقتصاد الاجتماعي وميكانيزمات اشتغال المؤسسات التعاضدية.كتاب «الاقتصاد الاجتماعي بالمغرب»، للدكتور محمد كريم، يجمع بين قيمته النظرية/الفكرية، وأسلوبه الإبداعي بكتابة ممتعة تشد القارئ. يقول الكاتب: «إن إشهار شعار «ديكاج» في وجوه صور ودمى بعض الوزراء والبرلمانيين وقادة بعض الأحزاب وفي وجوه الآليات الإيديولوجية والتعسفية للمخزن هو بمثابة تكفير عن خطايا البنيات الاجتماعية العامة، ليس إلا.. لكن أحدهم لم ينادي برحيل الشيطان، الذي يسكن المجتمعات، لأن في داخل كل فرد من أفرادها يوجد «علي عبد الله صالح»، الذي قال له قومه ارحل، فقال لهم: ويحكم ما أنا براحل، إني أخاف عليكم منكم، وقد أغواكم الشيطان..». إحسان الحافظي