الثورة والحراك شيآن متلازمان، والفكر عادة ما يروم الوقوف على العنصر الثابت الثاوي خلف الحركية والموجه لها، وهذه القدرة على استنباط الثبات من قلب الحراك، لا تتأتى إلا لمن جمع بين فعل التأمل الذي يمارسه المشتغلون بالفلسفة والمواكبة لمتغيرات السياسة التي لا تستقر على حال مثل أمزجة أصحابها والفاعلين فيها نخبا وقواعد أو شعوبا بكاملها. عبد الإله بلقزيز واحد من الأسماء الفكرية المهتمة بالسياسة حقق هذه المعادلة في كتابه الجديد الموسوم ب"ثورات وخيبات.. في التغيير الذي لم يكتمل" الصادر أخيرا عن منشورات "منتدى المعارف" ببيروت. الكتاب الجديد للأكاديمي المغربي، وكما يوحي بذلك عنوانه يتضمن حكما وتقييما للثورات التي اندلعت على امتداد رقعة العالم العربي. وبحكم انشغال عبد الإله بلقزيز بالفكر السياسي العربي على امتداد سنوات، فقد كان من البديهي أن يتعامل مع هذه الثورات بما يلزم من المواكبة والتحليلات من موقعه الفكري والسياسي، فكانت النتيجة سلسلة مقالات كتبت في بشكل متقارب طيلة سنة 2011 التي وصف بلقزيز ما جرى فيها بأنه تفصيل غير عادي، قبل أن يجمعها في هذا الكتاب الذي يعد قراءة في أحداث الثورة والحركات الاحتجاجية العربية، محترما تاريخية الأحداث وتاركا للقارئ فرصة الحكم على وعي في تاريخيته، وفي احتفاليته وحزنه، وفي أمله وخيبته، وإيمانه ونقديته.الكتاب الجديد للدكتور عبد الإله بلقزيز تولى تقديمه المناضل محمد الحبيب الطالب الذي اعتبر أن بلقزيز يقدم "روايته عما سمي من قبل الغرب "الربيع العربي" والكاتب يتحاشى استعمال هذا الوصف المجازي الأجنبي والمخدّر، ليخوض في الدلالات الواقعية والممكنة لما يمكن أن ننعته بالثورة أو الانتفاضة أو الحراك الشعبي، بحسب الأحوال في كل بلد عربي".ويصر الحبيب الطالب على وصف كتاب بلقزيز الجديد بأنه "رواية" قريبة من المعنى الأصيل للعبارة الأدبية، راصدا انفعالات الكاتب من خلال "تفاؤله باندلاع ثورة تونس ثم مصر" وكذا "اندهاشه وإكباره للدور الذي فاجأنا به جيل جديد من الشباب في البلدين، وفي باقي البلدان العربية المتحركة، لكنه سرعان ما يأخذنا معه، صعودا مع التسلسل الزمني، إلى أجواء أخرى مليئة بمشاعر التوتر الدرامي لشخوص الثورة والانتفاضات في كل بلد على حدة. فهي رواية تركت مصائر أبطالها الثوريين مفتوحة على المستقبل، وعلى ما سيتخيل القارئ لها أيضا".أما عبد الإله بلقزيز فرصد في مقدمة كتابه "ثورات وخيبات" أن الوقائع والأحداث التي عاشها العالم العربي وإن فيرت كثيرا من معطيات مشهد السياسة والسلطة وتوازنات القوة في المجال العربي، منها سقوط أنظمة وصعود نخب جديدة إلى السلطة، إلا أن ذلك لم يكون النتيجة وحدها التي أفضى إليها الحراك العربي، وإنما تلازمت معها أشكال أخرى من الفوضى والحروب الداخلية، فضلا عن التدخلات الخارجية التي دخلت على خط الحراك، أخذته إلى اتجاهات لم تكن متوقعة قادت البلاد إلى المجهول.ورغم أن المؤلف يعترف أنه من المبكر الحكم على ما جرى وما يجري قبل أن تستقر ملامحه، وتستنفد عملية التكوين زمنها الموضوعي، إلا أنه شدد على جملة من الحقائق على أساس أنها مقدمات نظرية وموجهات للتفكير.وأول هذه الحقائق التي رصدها بلقزيز أن مفهوم الثورة، في وضعه الاعتباري النظري، يعني التغيير الجذري للنظام الاجتماعي والاقتصادي وليس النظام السياسي فقط، وبهذا المعنى فالثورة "حركة تراكمية إلى الأمام".والنقطة الثانية التي تحدث عنها الأستاذ الجامعي بكلية الآداب ابن امسيك بالبيضاء، هي أن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع فحسب، وإنما هي اتفاق على مشروع مجتمعي وعلى نظام سياسي مدني، إضافة إلى أنها توافق على مشتركات في المجتمع الوطني، خاصة أن المجتمعات العربية تعاني نقصا فادحا في التجانس والاندماج، وأن تغييب الحاجة إلى التوافق لا يتولد منه نظام ديمقراطي، لأن لعبة الأغلبية/ الأقلية لا تستقيم في مجتمع لا عقد اجتماعي يحكمه.أما المسألة الثالثة التي رصدها صاحب رواية "صيف جليدي"، فهي أن الثورة، أو التغيير الاجتماعي لأوضاع سياسية قائمة، لا يتحصلان المشروعية إلا متى كانا بإرادة من الشعب، وقواه الاجتماعية الفاعلة، ومن طريق أدواته الذاتية الخاصة.ع.م