مقالات الرأيمنبر

تاريخ التأمين وصورته في الإسلام … الشاط: الفقه مازال متحجرا

الباحث محمد الشاط يستعيد جانبا من تاريخ التأمين وصورته في الإسلام

قال الباحث محمد الشاط إن أي محاولة فقهية للإحاطة بموضوع التأمين من زاوية إسلامية تصطدم بمنظومة فقهية متحجرة تتحدر من القرن السابع الميلادي. وأضاف الباحث في مجال القانون أن التأمين على علاته يظل أحد أوجه النظام الرأسمالي وتبعاته وأشياء أخرى تجدونها في هذا الحوار.

< بداية هل يمكن تقديم تعريف أو لمحة تاريخية عن مفهوم «التأمين»؟
< استعمل هذا المفهوم في بداياته وسيلة لمواجهة المخاطر التي يتعرض لها الإنسان في كيانه أو أمواله أثناء فترة حياته في سبيل التخفيف من وطأتها، وتم ابتكار التأمين للتخفيف من وطأة الأحداث والمخاطر التي يتعرض لها المرء.
هذه الوسيلة التي ظهرت مع تطور الأخطار التي يتعرض لها الإنسان بنفسه أو الأشياء التي يملكها، لها أكثر من شكل.

< ما هي أول وثيقة تأمين وأين ومتى ظهرت؟
< ظهرت  في القرن الرابع عشر، وذاع صيتها بعد ازدهار التجارة البحرية وانتشارها بين المدن الإيطالية ودول حوض البحر المتوسط.

< إلى أي حد ساهمت الملاحة التجارية في انتشار التأمين؟
< ظهر عقد القرض البحري المسمى «عقد المخاطر الجسيمة» في العصور الوسطى على أنه أول عقد رسمي للتأمين وذاع صيته، في روما وأثينا. وبموجب العقد يحصل صاحب الشحنة على مبلغ يوفي بثمن البضاعة، وتكون السفينة ضامنة لاسترداد مبلغ القرض وفوائده وإذا وصلت سالمة التزم المقترض بِرد مبلغ القرض مع فائدته الباهظة، أما إذا غرقت فلا يسترد شيئا.
وفي لندن ظهر أول شكل شبه رسمي لشركات التأمين لأهميتها كمركزا تجاريا وقتها، وظهر بعد ذلك التأمين ضد الحريق الذي كان موجود في بريطانيا على شكل نقابات تعاونية كانت تعطى إعانة لأعضائها في حال احتراق أملاكهم، وفى منتصف القرن السابع عشر أخذ التأمين ضد الحريق طابعا تجاريا صدرت به نظم إدارية، تختلف باختلاف أوضاع البلدان، بسبب حريق لندن الكبير وما تبعه.
كما ظهرت أول وثيقة للتأمين على الحياة عام 1583 وفي بريطانيا أيضا، وبدأ بشكله النظامي الحالي عام 1774.

< إلى أي حد ساهمت الثورة الصناعية في انتعاش التأمينات؟
< تسببت الثورة الصناعية في إقبال الكثيرين على التأمين على الحياة ومع تطور الآلات ظهرت فكرة التأمين ضد الحوادث، بسبب حوادث القتل التي كانت تسببها وتأسس في انجلترا سنة 1848 أول مكتب للتأمين ضد الحوادث التي يتعرض لها المسافرون بالسكة الحديدية، وكانت بطاقات التأمين تباع مع بطاقات السفر، ثم تطورت الفكرة حتى شملت التأمين ضد الحوادث الشخصية وكافة الأمراض.
وظهر بعد ذلك التأمين ضد خيانة الأمانة، وظهر التأمين على المسؤولية نتيجة التغييرات الاقتصاديَة، والتطورات التي أدت إليها الثورة الصناعية، وانتشار الآلات الميكانيكية، والسيارات، ووسائل النقل البري والبحري والجوي.

< هناك فتاوى عديدة تتحدث عن تحريم التأمين في الفقه الإسلامي؟
< أود أن أشير إلى مسألة وهي أن التعاطي الديني مع قضية التأمين انطلاقا من مفهوم إسلامي آخر هو «عقود الغرر»  وهو نوع من العقود المشروطة بحدث لا يقين على حدوثه ومن أمثلة الغَرَر المشهورة، بيعُ السمك في الماء،والطير في الهواء، وبيع المجهول، وبيع حيوان لا يزال في بطن أمه جنيناً، وكالبيع مع الجهل بالثمن، ومن الصور المعاصرة للغرر، معاملة شركات التسويق الشبكي، والتأمين التجاري، وشراء الديون المتعثرة والشيكات المرتجعة بأقل من قيمتها، وغيرها.
المشكل في الموقف الفقهي الإسلامي الذي تشكلت قواعده منذ القرن السابع ميلادي أنه لم يتطور على امتداد القرون، ولم يأخذ بعين الاعتبار مجموعة من المتغيرات التي لم تعد تنسحب على معاملات الغرر بمفهومها الإسلامي الضيق.

< هل يمكن اعتبار التأمين ضرورة حضارية أملاها واقع التطور التاريخي والاقتصادي؟
< مشكلتنا أن الحداثة لم تدخل إلى بلداننا إلا عن طريق الاستعمار، ومن بين عناصر الحداثة المعاملات الاقتصادية والتجارية التي لا يجب أن تخضع للإيديولوجيا أو التوجيه الديني، بل لمنطق الربح والمصلحة الإنسانية. وفي هذا الإطار يندرج مفهوم التأمين باعتباره واحدا من أوجه الاقتصاد الرأسمالي الذي إن قبلناه فيجب أن نقبل تبعاته، التي من المؤكد أنها تنطوي على عيوب وسلبيات، لكن لا توجد إلى حد الآن بدائل أحسن منها، حتى ولو أراد البعض الحديث عن بدائل إسلامية وفقهية سرعان ما يتبدى ضعفها بمجرد محاولة تنزيلها على أرض الواقع.
في سطور
– من مواليد طنجة.
– باحث في القانون والاقتصاد.
– حاصل على الدكتوراه في القانون من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان.
– اشتغل سنوات في قطاع التأمين والتعاضديات بفرنسا.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق