fbpx
ملف الصباح

الحمداوي: التغيرات السريعة أدخلت المغرب في أزمة هوية

الأستاذ في علم الاجتماع قال إن الجسد الأنثوي يخضع لمنطق الضوابط الثقافية والإيديولوجية

الأكيد أن تسونامي التحولات المجتمعية لم يستثن المغرب، معيدا ترتيب جغرافية جملة من المفاهيم التي كانت توضع في مكانة “المقدس” اجتماعيا، ولم تعد تحظى بدعم كبير عندما يتعلق الأمر باستعداد لمواجهة هذا التغيير الذي قد يراه البعض نعمة، وقد يجد في طياته البعض الآخر نقمة على المجتمع برمته.

العلاقة بالجسد واحدة من الكيانات التي ضربت أساساتها وأسقطت سقوف نظرة المجتمع برمته إلى الجسد أرضا، فما كان يوضع في خانة “المحرم” “المستور” “العيب” أصبح اليوم لا يثير زوبعة في فنجان، وردات الفعل على أي تغيير في هذا الإطار لم تعد جماعية، بل يعبر كل طرف عن رأيه.
وفي هذا الصدد يقول الأستاذ الباحث في علم الاجتماع والأستاذ الجامعي بكلية  الآداب بتطوان ابراهيم الحمداوي، «الجسد الأنثوي ظل ألمعة منيعة ضد النظرة العلمية المتفحصة، وبذلك ظل هذا الموضوع طي الكتمان لأنه يدخل في «الطابوهات» المجتمعية لخضوع الجسد لمنطق الضوابط الثقافية والإيديولوجية التي جعلت منه فاصلا بين المقبول المحترم العفيف وبين الممنوع المذموم»، مضيفا أن بعض ممارسات اللباس وكشف بعض جوانب الجسد ارتبطت بكثافة أخلاقية صنف على أساسها الأفراد وحددوا علاقتهم الاجتماعية وعلاقتهم بذاتهم. أما ثنائية الجسد ، فهي قديمة قدم الفكر الإنساني، يشرح الأستاذ في علم الاجتماع نفسه، قائلا «هي قديمة قدم الفكر الإنساني، وأفلاطون بخس الجسد وأعلى من الروح والعقل وصنف الأفراد والمجتمعات بناء على هذه الثنائية، وتم حينها تبخيس الجسد وبناء على ذلك يمكن اعتبار الجسد مدخلا لفهم العديد من العلاقات الاجتماعية، لأن فهم الذات يتم من خلال الجسد، لأنه وجبة دسمة تتغذى عليها الأساطير والثقافة والهوية الاجتماعية والشاهد على ذلك هو عالم الحناء والوشم والزينة والألوان والإيماءات التي تترجم الهوية والانتماء الاجتماعي، ولارتباطه كذلك بالاقتصاد من خلال استعمالاته للموضة والعمل الجنسي، والبورنوغرافيا، وفي الطب والتجميل وبالسياسة والسلطة السياسية وهو ما جعل منه مطلبا اجتماعيا يوظف لغاية أو لأخرى».
وفي المغرب، قال الحمداوي إنه في السنوات الأخيرة، ارتباطا بمطالب بعض الحركات الشبابية والنسائية، تم التركيز على الجسد الأنثوي دون غيره (الجسد الذكوري) منمطا بالمعرفة العامة والأحكام المسبقة حول التقسيم الجنسي للأدوار، ثم التراتب الاجتماعي وعلاقته بالاستعمال الجسدي الذي يعتبر نتاجا لتنشئة اجتماعية معينة، وهنا «يمكن القول إن نوع العلاقة التي يربطها الإنسان المغربي بالجسد ترتبط بشكل أساسي بالانتماء الاجتماعي والثقافي وبالتحولات الاجتماعية والسوسيواقتصادية التي يعرفها المجتمع المغربي، خصوصا أن الجسد لا يمكن النظر إليه من زاوية الطب أو الفيزيولوجيا، بل يجب النظر إليه من زاوية العلوم الاقتصادية والإيديولوجية والجمالية والسياسية وغيرها، إذ لم يعد جسدا بل أجسادا متعددة انطلاقا من الزاوية المنظور إليه منها، فالجسد هو المجاز أو حلبة الصراع بين الفردي والاجتماعي، بين ال»هو» والأنا الأعلى بين الطبيعة والثقافة، بين النفس والرمز، فالباحث مالك شبل يقول إن الجسد هو الشكل الذي تأخذه الروح لكي تتمظهر وتتجلى، سواء تعلق الأمر بالإنسان أو بالملائكة أو الجن أو كان مجرد تمثيل للخيال الإبداعي: إنه جسد للتمثلات الاجتماعية وبالتالي فهو ديناميكي وحي وليس ميتا أو ساكنا، فهو إما أن يكون مرتبطا بالجماعة وحاويا لثقافتها وعاكسا لها، وإما أن يكون منفصلا عنها وعن الفرد ذاته ويرى دافيد لوبرتون أن الجسد المنفصل عن الفرد أصبح موضوعا للتشكيل والتعديل والنمدجة حسب الذوق اليومي المراد من قبل الفرد، لهذا المعنى يعدل الفرد ليس مظهره فحسب، بل ذاته عينها»، ليخلص إلى أن الجسد يرتبط بقيمة غير قابلة للمنازعة، إذ «تم إلباسه غطاء سيكولوجيا، وأصبح مكانا قابلا للسكن بسبب هذا الملحق الروحاني الرمزي». انطلاقا من ذلك فالجسد، يقول الحمداوي، يعبر عن جملة من التصورات والمواقف والتمثلات للأفراد حول أجسادهم وعن جملة من الطقوس يكون الجسد موضوعها سواء تعلق الأمر بالتجميل أو الحلاقة أو الملابس أو إبراز أجزاء معينة أو بإبرازه بالكامل، ويبقى ذلك كله رهين بالمعنى الذي يعطيه الأفراد لاستعمالاتهم الجسدية أو لعلاقتهم مع أجسادهم، وهذه العلاقة قد تكون نرجسية يعلي فيها الفرد من شأن جسده ويهتم به كثيرا وهذا تعبير عن الفردانية عكس العلاقة الأذاتية التي ينفصل فيها الفرد عن ذاته، إذ يستعمله كأداة لها مجموعة من الوظائف ولا ينفصل في هذه الحالة الجسد عن الفرد وعن الجماعة.
وفي ما يخص قراءته لظهور مجموعة من المغربيات على أغلفة مجلات وهن عاريات، إذ صرحت أغلبهن أن هذا الظهور ليس تجاريا بل هو احتفاء بالجسد، وأنه آن الآوان ليعرف المجتمع المغربي أن لا سلطة له على جسد يعني صاحبته فحسب، وأن هذا الجسد هو ملك لصاحبته ويمكنها أن تفعل به ما تشاء، (عن ذلك) يقول الباحث في علم الاجتماع «يمكن القول إن المجتمع المغربي عرف تغيرا سريعا في السنوات الأخيرة مس جوانب الحياة جميعها الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، وخلخل البنيات الذهنية للمجتمع والتمثلات الاجتماعية والقيم وصلت إلى حد القول بأزمة هوية، تنعكس في العلاقة بالجسد، التي شكلت حلبة صراع بين القيم الفردية والجماعية، وبين الرغبات الفردية والجماعية، وبين الأصالة والمعاصرة، وفي هذا الإطار هناك سؤال يفرض نفسه، يضيف الحمداوي متسائلا «هل استطاعت الحداثة كما ادعت أن تحرر الجسد الأنثوي من «طابوهات» التقليد والأفكار المسبقة؟ أم أنها كرستها وأدخلته في منزلق أوهام جديدة عوض أن تحرره؟».
وتحدث الأستاذ في علم الاجتماع عن الخطوات التي بدأها المجتمع المغربي لتجاوز وتغيير ثقافته، إذ «يمكننا الحديث عن نوع من القطيعة مع العادات والتقاليد والثقافة التي تسمى قديمة تصل إلى حد القطيعة مع اللباس كثقافة، فنجد في المجتمع أنماطا متعددة إما الغطاء الكامل في شكل مستحدث، يتجاوز اللباس التقليدي، (البرقع الذي يقدس الجسد ويربطه بالإيديولوجية)، أو العري كتخلص من العقد و»الطابوهات»، أو الاقتداء ببعض النجوم والفنانين وجعلهم سلطا مرجعية أو اللامبالاة باللباس، أي أن المغاربة حددوا الحساسية تجاه الزي بالانتماء الثقافي والاجتماعي، وهناك من يتجه إلى إلغاء الفرق بين الجنسين، والتحرر من اللباس والظهور بدون لباس والتخلص من «طابو» العورة، فصرنا نرى الثديين والأرداف والمؤخرة والبطن والجسد بكامله في بعض الأفلام، وعلى أغلفة بعض المجلات وفي الشارع العام، يمكن القول كما قال بورديو إن المجتمع في تقسيمه الاجتماعي الجنسي ينحاز إلى الذكور في كل المجتمعات ويبرز أهمية البناء الاجتماعي للجسد، وهناك حوار أو علاقة بين حامل لهوية ذاتية وهوية غيرية انطلاقا من علاقة الفرد بجسده، فمن جهة يستمتع الفرد بجسده ويحدد ذاته انطلاقا من الظهور بمظهر لائق».
وحول سؤال إن كان التعري حرية فردية؟ قال الحمداوي إن الشعوب تحيا وتموت بذاكرتها الحرة، التي تتجاوز الزمن وترفض كل أشكال الظلم وتستطيع أن تتجاوز البنى التحتية للمجتمع متسببة في تحولات وحركات عنيفة مما يجعل الجسد العنيف يحتل مكانة مرموقة اليوم، وهنا يتساءل الحمداوي «ما الذي يجعل مجموعة معينة تشعر في هذه اللحظة بالذات بالحاجة إلى خلع ملابسهن؟ هل هو تيار فكري عابر أم موضة عابرة أم هو تيار فكري متجذر، له أسسه المنهجية وقواعده؟ هل يتعلق الأمر بموضة أو نزوة عابرة أم على العكس يعبر عن هوية ثقافية وانتماء ثقافي حميمي يتمثل في تحقيق المساواة ويعبر عن مسار اقتصادي واجتماعي وثقافي وسياسي شامل يهدف إلى تحقيق التحسن والنماء، وإلى تجاوز الفوارق الاجتماعية الموروثة والتي كرستها وسائل التنشئة الاجتماعية»؟ يسجل الحمداوي.

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق