fbpx
الصباح الثـــــــقافـي

“السيرة الخلدونية” يرد الاعتبار إلى فكر ابن خلدون

أصدرته مؤسسة الفكر العربي بإسهام جريدة “الصباح”

صدرت تحت عنوان “السيرة الخلدونية، مأساة فيلسوف عربي” سيرة ومسار فكر وحياة الفيلسوف العربي ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع والعمران بلغة ذلك الزمان، صاحب “المقدمة” الشهيرة التي أسست لأنساق علمية عدة في الاجتماع وفلسفة التاريخ، في كتاب جديد عن مؤسسة الفكر العربي في بيروت، للكاتب اللبناني وليد نويهض، وفيه تركيز على محور فكر ابن خلدون “علم العمران” والضجيج الذي أثارته شهرته على المستويات الثقافية والفقهية والسياسية، وإمكاناته المعرفية الواسعة التي أسهمت في اضطراب حياته وتسببت له في العزلة ومن تم الاعتزال.
يقسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة فصول: رحلة ابن خلدون غربا، واكتشاف قوانين العمران، ورحلة ابن خلدون شرقا. ويربط المقدمة التأسيسية بمحيطها الذي شكل أساسا في إنتاج ابن خلدون المعرفي، وذلك انطلاقا من مشهدين هما: التاريخ الذي سبق ولادة ابن خلدون وسيرته وصلة الأفكار بحياته وانعكاس التجربة الخاصة. كما قارب سيرة ابن خلدون بالتحولات التي شهدها العالم الإسلامي من الهند إلى إسبانيا، والتي أدخلت تاريخه في مسارات متعارضة، بين انهيار المركز ونمو قوى إقليمية، وبالتالي تعارض المسارات التاريخية بين المشرق والمغرب، الأمر الذي أضعف قوة المركز بغداد، وأنهك موقع المسلمين في الأطراف، وأسفر عن تصاعد دور الدولة العثمانية كقوة مركزية إقليمية.ويركز نويهض على دور المقدمة الخلدونية في الفكر الإسلامي وتأثيراتها في العالم الأوربي من خلال الترجمة والاقتباس، مشيرا إلى أنها تألّقت في حقبة صعود  أوربا المنفتحة ونهضتها، ومن أوربا عادت إلى موطنها، وعاد الاهتمام العربي بها مطلع القرن الماضي.
ويستقطب الكتاب أبرز الآراء المتعلقة بفكر المؤرخ العربي، ويجمع بأسلوب منهجي قراءات المثقفين والمفكرين العرب والأوربيين وتصنيفهم لفكر ابن خلدون وفلسفته، خصوصا مقدمته التأسيسية، فمنهم من اعتبرها إبداعا وعلما جادا وجديدا، وآخرون اعتبروها اقتباسا والتباسا، في الوقت الذي أعاد فيه ابن خلدون مرارا التأكيد أن مقدمته ليست اختراعا أو كشفا أخيرا أو حقيقة نهائية، وإنما مجرد خطوط لبداية علم جديد، وأن فكره ليس جديدا وإنما استقاه من مصادر التراث العربي الإسلامي.
وفكر ابن خلدون الذي خضع للدراسة من قبل فلاسفة ومفكرين أفردوا له كتبا وأبحاثا، وصفه البعض بالتجريبي، ووصفه آخرون بالواقعي، وهناك من قال إنه استقرائي أو استنباطي، وبعضهم أطلق على صاحب المقدمة لقب مؤسس علم الاجتماع الوضعي البرهاني أومؤسس فلسفة التاريخ… إلخ. وقد  تناول كبار المفكرين الأساس النظري للمقدمة وتحليل ابن خلدون للتاريخ وقوانينه وأدرجوا نظرياته في نسق فلسفي ممنهج. وكان المقريزي أول المهتمين بالمقدمة، فوصفها “بزبدة المعارف التي تعبر عن حال الوجود”. أما عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، فرأى أن “السبب في منطق ابن خلدون يعود إلى ضمور الحضارة الإسلامية”، في ما رأى عميد الأدب العربي طه حسين أن “اهتمام رجال السلطة خصوصا بالمقدمة يعود إلى وجود إشارات سلبية ونقدية ضد العرب والطبيعة القبلية العربية”، في حين ينفي ساطع الحصري فكرة ابن خلدون السلبية عن العرب ويربط التهمة بسياسة الأتراك، وهو ميز بين “العرب والأعراب وبين سلبيات البداوة وإيجابياتها”. كما تطرق الجابري في كتابه “العصبية والدولة” إلى وجهات نظر مختلفة بشأن المقدمة واختلاف فصولها، معتبرا أن ابن خلدون استهل أبحاثه بست مقدمات مختلفة.إلى جانب الاختلاف في توقيت كتابة المقدمة ومدة كتابتها، تعرض ابن خلدون أيضا إلى الكثير من التفسير والتأويل، إذ اعتبره البعض مؤسس علم الاجتماع الحديث في حين اتهمه البعض، خصوصا المفكرين الأوربيين، بسرقة أفكاره واستخدام مصطلحات وأفكار غيره من المفكرين المسلمين، وفي الطليعة بينهم “ابن الأزرق”، واستعمالها بمنهجية مختلفة. ويرى نويهض في سياق الجدل والتأويل أنه لا يمكن حسم هذه المسألة من دون إعادة قراءة أعمال ابن خلدون ارتكازا على أسس نظريته في المعرفة ودراستها على مستويين: الأول عناصر وعي ابن خلدون وكيفية تركيب فلسفته وتاريخه من مواد مختلفة، والثاني مصادر ابن خلدون الفكرية وتحليله للقراءات واستخلاصها وإنتاج نظريته في علم العمران.

الصباح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى