fbpx
مجتمع

البحث عن “السعد” عند “نقاشات” سوق جميعة

محلات تبيع “الشعوذة” لزبناء وزبونات السحر الأسود بدرب السلطان بالبيضاء

على بعد خطوات من أمن درب السلطان بالبيضاء، وفي عقر واحد من أقدم أحياء البيضاء الآهلة بالسكان والمشاكل الاجتماعية بكل صنوفها، تزدحم سيارات، تبحث لنفسها عن مكان شاغر وسط أزقة وشوارع درب السلطان، ليس للوصول إلى “بيجامات” سوق “كاراج علال”، ولا لتصيد فرصة “همزة” في قيسارية الحفاري،

 

ولا حتى لاقتناء لحوم الإبل من سوق البلدية، إنما لشراء الحظ في سوق “اجميعة”، والبحث
في أسرار “السعد” وأحيانا طرد “العكس”، أو لوضعه في طريق “العدو” وتنفيس الحقد في صواريخ “النحس” و”التابعة” و”التقاف” في بيوت الآخرين.

يندهش الزائر لأول مرة للمكان الذي سربلت في واجهتيه دكاكين “العشابة” وباعة الحيوانات المحنطة والحية والأعشاب المتوحشة الجاف منها والطري، ودكاكين أخرى كتبت على بعضها مجرد أرقام، فيما عنوت أخرى بأسماء نقاشات يخضبن أيادي الزبونات بالحناء، فيما تمارس ذوات الأرقام المجردة أعمال شعوذة بكل صنوفها.
“ما تخافيش إيجيو البوليس أو يبلغ عليك المقدم؟”، تتلقى المشعوذة السؤال باستغراب “علاه مالنا كاينين في الخليج”، قبل أن تطمئن الزبونة المفترضة بضرورة العودة إلى محلها لتخليصها من سحر أسود، “دازت عليك يد ميت…دبري راسك…إلا ما درتش ليك الطيار عمرك ما طفريه حتى في شي حاجة”. تلح المشعوذة الشابة التي لا تتردد بين الفينة والأخرى في أخذ مجات من سيجارة “مالبورو”، قبل أن تكمل رحلة ادعاء قدرتها على استكشاف أسرار ماضي وحاضر ومستقبل الضحية. تناولها أوراق لعب وتأمرها بترديد عبارات “ها قلبي ها تخمامي…”، ثم تردد عشرات العبارات، قبل أن تؤكد الضحية أن جزءا مما قالته صحيح، وليس سوى جزء من حياة يومية تعيشها أي امرأة من طبقة كادحة في بيت العائلة، “ديما تتردي لقلبك…تتخممي بزاف…الأبيض ماشي ديالك…بلا ما تصدعي راسك معاه…الأسمر مول لفلوس..ها هو…ها هو بان ليا…هو اللي غادي يتهلا فيك”. ترتاب المشعودة في مرافقة الزبونة المفترضة، وتفاجئها بسؤال تعمدت أن يكون محمولا على صوت غليظ، أنت فالمخزن…”، ترد ” لا أعمل في شركة خاصة”. ثم تعود إلى طاولتها المغطاة بمنديل أخضر، شديد الخضرة، والمفروشة بأوراق لعب قديمة، “أمك عيانة”، طبعا بما أن سنها متقدم، “ما عندكش الزهر” عبارة يفكر فيها كل عاطل عن العمل وكل امرأة لا ترى المستقبل إلا في أحضان زوج.
تتواتر العبارات التي ترصد حياة الفقراء بشكل خاص والعاطلين والمتلهفات إلى زواج عاجل، والباحثين عن أوراق الإقامة في الخارج. تنبش في أحلام البؤساء المختزلة في الحصول على فرصة عمل جيدة أو أوراق للسفر إلى الخارج أو الحصول على بيت وهو ما تسميه المشعوذة “بالعتبة” أو سيارة وهو “الحديد”، قبل أن تصل إلى صلب مرادها. “خاصك 20 ألف ريال…”، وتصبح، حسب المشعوذة كل هموم الدنيا التي تعانيها الزبونة من الماضي. “كيف؟…”، تتساءل الزبونة المفترضة، فيما تطالع المشعوذة وجهها وتثبت نظرتها الصارمة في عيني الضحية المفترضة “حيت أنتي مق…عليك…غادي نحسب ليك غير 20 ألف ريال، باش ندير ليك الطيار”.
“الطيار” بلغة المشعوذة هو عمل سحري لتخليص الزبونة من تأثير وانعكاسات “يد ميت” تلح على الزبونة على أن أعداءها مرروها عليها لتسد في وجهها أبواب الزواج والعمل وكل شيء ضروري أو جميل في الحياة. “سأقوم بذلك على مرحلتين”، تقول المشعوذة بإلحاح، ثم تتناول كيسا علقته على جدار المحل الضيق والغارق في روائح تدخين السجائر والبخور، تخرج منه صورة رجل في الخمسين طبعت عليها بصماته بدماء ليلة الدخلة، “كان مسكين متقف شحال من عام، جا عندي فكيتو..وجاب ليا الدم ديال العروسة..ها هو…خدمت ليه بربعين ألف ريال”.
بدهاء تنتقل من تفاصيل قصة الرجل العاجز جنسيا إلى قصة الزبونة المفترضة، “حالتك أخطر من هذا الرجل، ومن حالات كثيرة تمر من هذا المحل، سأحررك بكل تأكيد” تقول المشعوذة وعلى وجهها قد وضعت قناع شفقة.
تسأل الزبونة عن الطريقة، “الطيار…ما عندكش حل غير الطيار..غادي نخرج ليك كل شي من هنا…” وبوقاحة تشير إلى جهازها التناسلي، قبل أن تضيف “أنت لست عاهرة، أعرف، لذلك سأساعدك”. وتستغل فرصة خروج المرافقة للرد على الهاتف المحمول، لتقول للزبونة التي حرصت على أن تبدو من أتعس نساء المغرب، “أنت مسكينة لكن ابنة خالتك شيطانة، تطرح أسئلة غريبة…لديها نقود كثيرة..عليك أن تستغليها لتجلبي النقود لأحررك، لا تعودي إلى مدينتك قبل أن تأخذي منها ألف درهم”. ثم تعود إلى عملية “الطيار” عند عودة المرافقة، “أولا سأقوم بعمل بطريقتي الخاصة، هنا في المحل”، تتلقى سؤال “هنا؟ والناس؟ والشرطة؟”، ترد بسخرية “سأسدل الستار، لدي حارس، لكل واحدة هنا رجل يحميها، ثم هل نحن في الخليج حتى نخشى الشرطة؟ كل عناصرها معنا”.
تواصل سرد تفاصيل “الطيار” بثقة، “بعد أن أخرج منك العمل السحري هنا، سأرسلك إلى حمام شعبي، وهناك ستستحمين بالمواد التي سأسلمك إياها، ثم تتخلصين من تبانك في الحمام وتتركين فيه “التابعة”، ولا تعودي إليه أبدا، وفي المرحلة الثانية سأمدك بمواد لتتخلصي منها في مكان فيه حشد كبير من الناس، كالسوق مثلا، ثم تعودين إلي وبعدها سأكمل العملية وسينتهي كابوسك”.
على غير عادة أغلب المشعوذين والمشعوذات، لا تردد مشعوذة سوق اجميعة اسم الله، “بإذن الله”، “إن شاء الله”، وهي العبارات التي غالبا ما يرددها المشعوذون لإعطاء صبغة دينية لأعمالهم، بل تحاول أن تكون أكثر إقناعا بأنها رفيقة الشياطين، وأنها تؤثر فيهم وتجعلهم يقومون بأعمالها بإتقان. وكأنها تتعمد ذلك، تحرص المشعوذة على هدم جدارات الاحترام بينها وبين الزبونة، وتردد عبارات من قاموس “تحت الحزام”، فيما حارسها يطل بين وآخر ليرقب الوضع، ويتلقى منها إشارات أن كل شيء يسير على ما يرام، قبل أن تطلب من الزبونة 100 درهم، والعودة ب1000 درهم أخرى للشروع في عملية “الطيار”.
بعض النقاشات يغلفن أعمال الشعوذة بإناء حناء، يعفيهن من أي متابعة بالنصب والاحتيال على زبونات وزبناء يأتون من كل حدب وصوب. بعض الزبونات يطلب من المشعوذات إسدال ستار المحلات والقيام بكل شيء داخلها، وبعضهن الآخر لا يتردد في الجلوس على كرسي خارج المحل والاستسلام لنصب واحتيال المشعوذات أمام الملأ.
لا يخلو الدخول إلى هذا المكان من مخاطر، لا تتعلق فقط بالنصب الذي تعرض له النساء والرجال في هذه المحلات، بل أيضا بتهديد حراس من ذوي السوابق، يشتغل كل واحد منهم لصالح كل مشعوذة، بعضهم لا يتردد في إشهار سكينه من الحجم الكبير، خاصة حين ينشب بين رجل وابنه نزاع مع إحدى المشعوذات، فيوجه إليه “الحارس الشخصي” تهديدا واضحا “واش تمشي أو لا غادي نْعَيَّد بولدك”.

قاعدة الشعوذة في سوق جمعية لا تشمل بعض محلات النقش بالحناء، إذ تجبر ظروف اجتماعية قاهرة نساء من أحياء شعبية على امتهان تخضيب الأيادي بالحناء، وإن كانت بعضهن يلجأن إلى ذلك غطاء لأعمال شعوذة، لكن أخريات يعولن كثيرا على عملهن “نقاشات” موردا لرزقهن الوحيد. ولا تتردد بعضهن في التعبير عن استيائهن من تحويل المحلات إلى نقطة سوداء لممارسة الشعوذة، فيما تعتبر أخريات أنه شر لابد منه بما أنه يجلب لهن زبونات يبحثن في بداية الأمر عن تخضيب الأيدي قبل أن يعثرن على ضالتهن الحقيقية وهي “الشوافات” و”السحارات”.

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق