fbpx
أسواق

الريع يلتهم 20 مليار درهم سنويا

المقالع والنقل والصيد البحري وأسواق الجملة من أهم منابعه

كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن محاربة الريع، رغم أن جذور هذه الآفة تعود إلى السنوات الأولى بعد الاستقلال، إذ عمدت الدولة، آنذاك، إلى تقديم العديد من الامتيازات لفاعلين ونخب من أجل تشجيع تكوين طبقة من المستثمرين المحليين لتعويض النخب الاقتصادية الفرنسية.
لكن حالات الامتياز والاستثناءات استمرت إلى أن تحولت إلى مكسب للمستفيدين منها، وتعددت أوجه مصادر الريع إلى أن تحول إلى عائق أمام المبادرة والاستثمارات الخاصة، ومصدر استنزاف للدولة، إذ يقدر محللون اقتصاديون أن أنشطة الريع تكلف الاقتصاد الوطني ما يناهز 20 مليار درهم سنويا، كما جاء ذلك على لسان عبد العالي بنعمور، رئيس مجلس المنافسة، خلال المناظرة الدولية الثالثة، التي نظمها مجلس المنافسة أخيرا بطنجة.
وأصبحت المطالبة بمحاربة الريع والامتيازات الممنوحة لبعض الفئات المحضوضة مطلب الجميع، وزادت من حدتها احتجاجات حركة 20 فبراير والشعارات التي ترفعها منددة بالممارسات الريعية والمستفيدين منها. فجاء الإصلاح الدستوري ليشير في الفصل 36 منه إلى أن القانون  يعاقب على الشطط في استغلال مواقع النفوذ والامتياز، ووضعيات الاحتكار والهيمنة، وباقي الممارسات المخالفة لمبادئ المنافسة الحرة والمشروعة في العلاقات الاقتصادية.  
يقصد بالريع، عموما، كل امتياز يخول للمستفيد منه  موردا للدخل دون أي إنتاج مقابل ذلك، ويعنى به في الاقتصاد منح استثناءات للفاعلين الاقتصاديين في قطاع معين من أجل تحقيق هدف معين. لذا يقسم المحللون الاقتصاديون الريع إلى قسمين ريع مبرر وآخر غير مبرر. فالريع المبرر هو الذي ينتج عن وضع خاص تمنحه السلطات لقطاع اقتصادي، من أجل تحفيزه أو تشجيعه على تحقيق أهداف مسطرة سلفا، ويمنح هذا الريع وفق اتفاق تعاقدي بين الطرفين يحدد الأهداف التي يتعين على المستفيدين من هذا الامتياز تحقيقها، وتكون الاستفادة داخل سقف زمني معين يحدد على أساس طبيعة الأهداف المحققة.
وإذا كان هذا النوع من الريع يمكن تبريره من الناحية الاقتصادية، على الأقل، إذ يمكن من تحقيق أهداف تعود على الاقتصاد الوطني والمجتمع بالنفع، فإن الريع غير المبرر، الذي يعني منح امتيازات لأشخاص دون أن يساهموا في الإنتاج ودون أي مقابل، مثل أحد أهم المعوقات للاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار، تشير بعض الدراسات إلى أن الريع غير المبرر يفقد المغرب ما بين نقطة ونقطة ونصف من وتيرة نمو إضافية للناتج الداخلي الإجمالي. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الناتج الداخلي الإجمالي، خلال 2010، ناهز 779 مليار درهم، فذلك يعني أن نظام الريع يحرم المغرب من حوالي 12 مليار درهم من الثروات الإضافية. ويرجع ذلك بالدرجة الأولى إلى أن وضعيات الامتياز غير المبررة، التي يستفيد منها بعض الأشخاص أوالفاعلين الاقتصاديين، تمثل عائقا أمام الاستثمارات وتتنافى مع مبادئ اقتصاد السوق والمنافسة المتكافئة. وتعتبر التشريعات الحديثة أن الريع الناتج عن التحفيزات والاستثناءات المخولة للفاعلين الاقتصاديين غير مبرر، ما لم يساهم بفعالية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وبناء على ذلك، فإن الامتيازات يجب أن تكون مبررة وأن لا تشكل عائقا للاستثمار.  
وأمام انتشار قاعدة اقتصاد الريع بالمغرب إلى درجة أنها أصبحت تشكل عائقا أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حدد مجلس المنافسة موضوع مناظرته الدولية  الثالثة، التي انعقدت أخيرا بطنجة، حول»المنافسة واقتصاد الريع ونظام المرافعة”. وأشار بنعمور في هذا الإطار، إلى أن التصدي إلى كل مظاهر الفساد وتنقية الاقتصاد الوطني من كل الشوائب المضرة بالتنافسية الشريفة كفيل بأن يربح المغرب نقطتين في معدل النمو سنويا.
واعتبر أن الأولوية في إصلاح الاقتصاد الوطني يجب أن تتجه إلى الحد من الاحتكارات بضمان الشفافية والنزاهة والمنافسة المشروعة في سوق الصفقات العمومية، مؤكدا أن الحكومة المقبلة يجب أن تضع أولى أولوياتها الحد من مظاهر الريع المتفشي في المجتمع، خاصة في القطاع العام من خلال وضع آليات وقواعد لتقنين آليات المنافسة.
يشار إلى أن جل الأحزاب السياسية جعلت من محاربة الريع والفساد، عموما، أهم الأهداف في برامجها الانتخابية، بل أن حزب العدالة والتنمية، الذي عين أمينه العام، رئيسا للحكومة المقبلة، جعل من هذا الورش قطب رحى برنامجه الانتخابي، وتعهد مسؤولوه بأن يكون من ضمن الإجراءات المائة ذات الطابع الاستعجالي، التي ستعتمدها الحكومة خلال مائة يوم الأولى من تدبيرها للشأن العام.
وفي هذا الصدد، أكد حزب العدالة والتنمية أن المجهودات ستركز على محاربة الفساد واقتصاد الريع، وذلك للتمكن من تحقيق وتيرة نمو مرتفعة تلبي الحاجيات المتراكمة على مستوى سوق الشغل، وأوضح قياديوه أن محاربة الفساد والريع ستمكن المغرب من ربح نقطتين مائويتين من نسبة النمو، وحدد حزب الاستقلال القطاعات التي يتعين معالجتها، وتعهد الحزب باستصدار نصوص قانونية لوقف العمل بمسطرة الامتياز في استغلال رخص نقل المسافرين، وسيارات الأجرة، والصيد البحري، وجرف الرمال، واستبدالها بطلبات العروض المفتوحة وفق دفاتر للتحملات. ولم يختلف حزبا التقدم والاشتراكية والحركة الشعبية في تحديد أولوياتهما، إذ التزما بدورهما بالعمل على تجفيف منابع اقتصاد الريع.
وجدير بالذكر أن هذا الورش الإصلاحي ستعترضه مقاومات متعددة، بالنظر إلى قوة اللوبيات المستفيدة من هذا الوضع، كما أن هناك قطاعات تتطلب وقتا، في حين أن هناك بعض القطاعات لا تتطلب سوى الإرادة السياسية والحزم في معالجتها، خاصة تلك التي يبرر الريع فيها بدواع اجتماعية، مثل مأذونية سيارات الأجرة (الكريمة) وبعض الإعفاءات الضريبية. ما يفرض على الحكومة مقاربة شمولية ومقنعة للرأي العام، إذ لا يتعين منع أو توقيف هذه الامتيازات بل يتعين التفكير، قبل ذلك، في البدائل الممكنة.

عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى