fbpx
أسواق

تهريب الرمال… الدجاجة التي تبيض ذهبا

تكبد ميزانية الدولة خسارة تقدر بحوالي مليار درهم سنويا

تشير بعض التقارير حول ظاهرة التهريب التي تعرفها المقالع بالمغرب، إلى أن الدولة تخسر سنويا ما يقارب مليار درهم في مجال استخراج الرمال، في حين تخسر ميزانية الدولة 5 مليارات درهم سنويا بسبب تهريب الكرانيت.
هذه الأرقام تشير إلى أن الدولة تدفع الثمن غاليا بسبب اقتصاد الريع ومنح الرخص إلى بعض العاملين في مجال استغلال المقالع ممن لا يحترمون الكميات المرخصة للاستخراج سنويا. التقارير نفسها، تشير إلى أن انتشار ظاهرة “النوار” في بيع الرمال، على سبيل المثال، لها انعكاس سلبي على كلفة إنجاز السكن للفئات محدودة الدخل، فالأمر يتعلق بواحدة من المواد الأساسية في البناء يتم تصريفها في السوق السوداء إلى المنعشين العقاريين، الذين يفرضون بدورهم “النوار” غير المقتطع من الثمن الحقيقي للشقق عند البيع، ما يعني أن سلسلة إنتاج السكن في المغرب تخضع لمنطق النوار الذي يؤدي ثمنه في نهاية السلسلة المواطن المغربي.
وتشير الدراسات إلى أن المغرب في حاجة إلى 20 مليون متر مكعب سنويا من الرمال تخصص لقطاع البناء، والأوراش والبنية التحتية، غير أن المعاملات الجارية في قطاع البناء وحده تكشف أن حجم الخسائر التي تتكبدها ميزانية الدولة يبلغ حوالي مليار درهم سنويا، بسبب ظاهرة تهريب الرمال. “النوار” واحد من المظاهر التي ارتبطت بالتهريب في قطاع استغلال المقالع. بعض المتتبعين يعتبرون أن “النوار” في قطاع البناء مرده إلى وجود هذه الظاهرة ضمن مسلسل إنتاج السكن في المغرب. بالمقابل، يزيد من حدة هذا الوضع غياب التنافسية بين “مافيا” تهريب الرمال والشركات التي تشتغل بصفة قانونية في القطاع.
ولم يعد تهريب الرمال حالات معزولة، كما أن تناميه يثير مسؤولية السلطات المحلية وباقي المتدخلين المعنيين بالقطاع. المهدية أزمور والعرائش، حيث توجد ثلاثة مقالع استخراج الرمال، تشكل ثلاث حالات متشابهة لسرقة الرمال وتهريبها خارج الضوابط المعمول بها في المجال، بل إن تسويقها يتم بالمتر مكعب رغم أنه كان يفترض أن يتم ذلك على أساس مكيال الطن.
الحالة الأولى، في المهدية، ضواحي القنيطرة، وبالضبط في منطقة “الشليحات”، إذ تتعرض لاستنزاف كثيف للرمال. بالمقابل، لا تتعدى عملية الاستخراج التي تقوم بها شركة “رمال” التي تعمل بشكل قانوني 300 ألف متر مكعب، رغم أن الرخصة الممنوحة لها تخول لها كمية استخراج تصل إلى 600 ألف متر مكعب. الحالة الثانية بأزمور، ذلك أن شركة “رمال” لا تنجز أكثر من 400 ألف متر مكعب سنويا من عملية استخراج الرمال، في حين أن الرخصة الموقعة من طرف الوزارة الوصية تمنح للشركة استخراج معدل سنويا يصل إلى 500 ألف متر مكعب، غير أن عمليات سرقة الرمال التي تتم بمنطقة “المعاشات” تعيق تفعيل الاتفاقية، بل تلجأ مافيا تهريب الرمال إلى التلاعب عبر ادعاء أن استخراج الرمال متوقف في المقالع، وهي طريقة يلجأ إليها بعض أصحاب الرخص من أجل التهرب من أداء واجبات الدولة بشأن الاستغلال. الحالة الثالثة تعرفها منطقة العرائش، فقد ظهرت أخيرا كواحدة من المناطق التي تحظى بحماية جهات نافذة لمهربي الرمال بالمنطقة، وهو الأمر الذي كان موضوع احتجاج من طرف رئيس الجماعة القروية “لعوامرة”، خلال اجتماع عقد أخيرا بمقر عمالة العرائش، فقد أكد المنتخب الجماعي على وجود تهريب خطير للرمال بالمنطقة، وعدم احترام أصحاب تعاونية للرخص الممنوحة لهم. شركة “رمال” طلبت فتح تحقيق في التهريب المتزايد للرمال بالمنطقة، ما يؤثر سلبا على عملية الاستغلال بالمنطقة، بسبب عدم احترام الضوابط، غير أن للسلطة المحلية رأيا آخر، وتحاول في مرات كثيرة التذرع بالحراك الاجتماعي لفتح الباب أمام تنامي ظاهرة التهريب وتأمينه إلى حين.
وقال أحمد زمارنة، رئيس جمعية المعمورة لنقل مواد البناء، إن القطاع يعيش فوضى كبيرة وتلاعبا في الأثمان، والكثيرون “يخلطون التراب ديال الأرض مع رملة الكاريير”.
ويبقى غياب المراقبة، والتواطؤ واستغلال النفوذ، كلها علامات تشجع تنامي ظاهرة تهريب الرمال، غير أن المشترك بين الحالات الثلاث أن المهربين يتوفرون على رخص قانونية بشأن استغلال المقالع، لكنهم لا يكتفون بذلك، لأن الجشع والربح السريع اللذين يوفرهما القطاع يحولان الرخصة القانونية إلى “رخصة للتهريب”.
تعود التشريعات الخاصة باستغلال مقالع الرمال، إلى سنة 1914، فمقتضيات قانون يعود إلى 5 ماي 1914، مازالت تتحكم في القطاع، وتحدد المسطرة الإدارية والشروط التقنية والتدابير الخاصة التي يتعين التقيد بها قبل فتح المقالع وأثناء استغلالها وإغلاقها، حفاظا على التوازنات البيئية وظروف عيش السكان، كما يحدد الظهير نفسه الهيآت المكلفة بالمراقبة والعقوبات المترتبة عن المخالفات… غير أن التهريب يستمر..

القوانين تفشل في وقف تنامي الظاهرة

بتاريخ 14 يونيو 2010، وجه رئيس الحكومة السابق، عباس الفاسي، رسالة إلى أعضاء الحكومة بشأن ما يعرفه قطاع استغلال المقالع من نهب، بسبب ضعف المراقبة. المنشور الذي حمل رقم 2010/6، تضمن مرفقات خاصة بنموذج لكناش التحملات الذي يفترض أن تفرضه القطاعات الوزارية المعنية على العاملين في قطاع استغلال المقالع، وكذا المسطرة التي يجب اعتمادها في دراسة ملفات التصريح بفتح المقالع.
قبل إصدار هذا المنشور، أثار الخطاب الملكي لسنة 2009 بمناسبة عيد العرش، قضايا البيئة والتنمية المستدامة وضرورة إعداد ميثاق وطني في الموضوع، من خلال جلسات تشاورية تسمح لتشخيص الواقع ورصد الاختلالات واقتراح البدائل التي من شأنها أن تحد من النهب الذي تعرفه بعض المجالات البيئية، وفي هذا السياق، جاءت الدعوة الملكية للحكومة إلى “الانكباب على إعداد ميثاق وطني شامل للبيئة”، يستهدف الحفاظ على مجالاتها ومحمياتها ومواردها الطبيعية، ضمن تنمية شاملة ومستدامة.
منشور الوزير الأول السابق بشأن استغلال المقالع ومراقبتها، فطن إلى هذه الحقيقة، حين أشار إلى أنه نظرا للتطور العمراني الذي تعرفه بلادنا والأوراش الكبرى التي تواكبه، ولأن المقالع تعتبر المصدر الرئيسي لمواد البناء بمختلف أنواعها، فإن فتحها أصبح في تزايد مستمر، مما أدى إلى انتشار عدد كبير منها بكافة أنواعها عبر مختلف التراب الوطني”، فالقطاع باعتراف الحكومة نفسها يمثل “رهانا ذا أهمية كبرى بالنسبة إلى النسيج الاقتصادي والاجتماعي، وذلك من خلال تأمين حاجات البلاد إلى هذه المواد وخلق مناصب الشغل”، غير أن الضغط الذي تتعرض له الكثبان الرملية، على الخصوص، حمل الوزير الأول على الإشارة إليها بالاسم في منشوره بالتنبيه إلى ما تعرفه من نهب جراء ضعف المراقبة وتنامي ظاهرة المقالع العشوائية.

إحسان الحافظي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق