fbpx
حوادث

دراسة: التقييم الحيادي المبكر وسيلة لحل الخلافات (2/2)

شروط اختيار الخبير المحايد في إطار الخبرة الودية

ليس كل النزاعات، بل بالأحرى كل الخلافات، تستحق أن تعرض على القضاء خصوصا إذا كانت ذات تأثير على سمعة أطرافها، و صورتهم أمام زبنائهم و المتعاملين معها، لتلجأ في إطار تفادي تداول مشاكلها أمام قضاء يعتمد على  مبدأ العلنية،  إلى اختيار وسيلة بديلة للقضاء الرسمي، يكون مسلسلها متسما بالسرية، كما هو الشأن عند انتدابها لأحد الخبراء المحايدين في إطار خبرة تكون ودية تدخل في زمرة التقييم الحيادي المبكر، أو ما يصطلح عليه أيضا بالتخمين.

يحمل مصطلح الخبرة الودية دلالات قوية على أن الأطراف عندما تختار وديا خبيرا ما وتتفق على إسناد مهمة إليه، فإنها لا تخضعه للمعايير نفسها التي يخضعها له القاضي الفرد أو هيأة المحكمة عند اختيار خبير ما من بين الخبراء المقيدين بجدول محكمة الاستئناف التابع لها اختصاصها الترابي.
ولتوضيح الفكرة أكثر، يصير لزاما تبيان الوضع القانوني للخبير المحايد المدعو من الأطراف إلى التدخل في إطار ودي غير قضائي في مسلسل حل الخلاف، وتحديد دور ما يصطلح عليه رجل الفن .
فإذا كان الخبير كما وصفه الفقه بمثابة شاهد تقني، أو فني أمام القضاء، وهو ما أخذ به المشرع الكندي في المادة 414 من قانون المسطرة المدنية، والذي يطابقه  الفصل 64 من ق م م المغربي، عندما اعتبر أن الخبير هو من يتوفر على اختصاصات في نشاط معين ينير المحكمة أو يساعدها في تقديم  أجوبة على  أسئلة علمية أو تقنية تطرح أمامها إما في شكل تقرير كتابي أو بشهادة شفوية يؤديها.
أما في مجال الوسائل البديلة الحبية، خصوصا في إطار الخبرة الحبية أو الودية، فإنه يكون شخصا محايدا خبيرا في مجال ما، يختاره الأطراف اتفاقا، كي ينجز تقريرا أو استشارة في نزاع تقني.
وبمناسبة هذا يطرح تساؤل حول من المؤهل إذن للرجوع ضد الخبير المحايد من أطراف النزاع، أو من فوضت له اختياره، أم أي كان يدعي تضرره بفعل علاقته بالنزاع كأحد الشركاء المكونين للأقلية في الشركة الذي لم يستشر عند انتدابه أو عضو في جمعية فوض لرئيسها اختياره، وكان هذا الأخير ضحية تدليس؟
فإذا انطلقنا من مبدأ نسبية العقود، وحسب مقتضيات الفصلين 228 و 229 من ق ل ع، و ما تواتر عليه العمل القضائي في باب أثار العقود، فإن أطراف النزاع وخلفهم العام والخاص هم من لهم حق الرجوع ضد الخبير المحايد من أجل ما اقترفه من تدليس حول مؤهلاته وكفاءته، أما الغير فلا يحق لهم ذلك، ومن ثم يكون الشركاء في شركة أو أعضاء جمعية الذين اتفقوا مع الخبير المحايد مؤهلين لمساءلته.
ونخلص في هذا لمجال، الذي يقتضي دراسة خاصة،  إلى تأرجح المسؤولية هنا في نظرنا، ما بين الأساس العقدي والتقصيري، إذ أن المسؤولية ستبقى قائمة عند قيام التدليس حول الكفاءة والخبرة الفنية، أما ما تعلق بالأهلية القانونية أو القضائية،  التي نقصد بها ما أشرنا إليه سابقا من القيد واليمين، وباقي الشروط الواجب توافرها في الخبير القضائي، فليس لها أي أثر على صحة اتفاق الأطراف على اختياره كخبير محايد، لسمو سلطان إرادتهم الذي لم يجعل له المشرع المغربي أي بعد أو حد في مثل هذا المجال، وعلتنا في ذلك، أن العقد المبرم مع الخبير المحايد، كما كيفناه سلفا، بأنه عقد خدمة يصطلح عليه، فقها بعقد الخبرة، والذي هو عقد غير مسمى، يخضع في صحته لصحة العقد المتمثلة في سلامة الإرادة، وخلوها من أي عيب من عيوب الرضا، ومطابقة محلها وسببها للنظام العام، و الأهلية المدنية لأطرافها
رابعا: طبيعة وآثار مهمة الخبير المحايد
استرسالا للطبيعة الرضائية للتقييم المبكر لخلاف أو نزاع عن طريق شخص ثالث، فإن الأطراف التي تملك  شرعية حق إضفاء الطابع الذي تراه مناسبا على ما سيخلص إليه تخمين الخبير المحايد ، فلها أن تضفي عليه القوة الملزمة، وهنا نكون أمام ما يصطلح عليه التقييم الملزم الذي يلتزم من خلاله الأطراف بأن ينفذوا نتائج الخبرة، وهم بذلك يعطون  الخبير دورا إيجابيا في مسلسل الخبرة الودية، ليصبح بالتالي الخبير المحايد في حكم المحكم، مما يطرح إشكالا يتعلق بمدى ضرورة توفر الشروط الواجبة في المحكم  في شخص الخبير، ونقصد بالذات الشروط التي نص عليها المشرع المغربي في الفصلين  320 و321 من ق م م ، ومدى مشروعية اختياره كخبير محايد رغم عدم توفر تلك الشروط، وبمعنى أدق، هل ما سيتوصل إليه من رأي ملزم للأطراف سيكون مقبولا قانونا وقضاء، و ما دور هذا الأخير في مراقبة عمل ذلك الخبير.
لا تخلو الإجابة على هذا التساؤل من استحضار صورتين: فأما الصورة الأولى فهي أن يقبل الأطراف لذلك الرأي الملزم ويقرون به دون أن يطعنوا لا في الخبير ولا في التقرير، و أما الصورة الثانية فتتجلى في رفض أحدهما لذلك التقرير الملزم، لنتساءل في حالة ما إذا لجأ الطرف الرافض إلى القضاء، عن أحقيته في ذلك؟
نستهل الإجابة على هذا التساؤل من خلال أن المحكم عند قيامه بمهمته يعتمد على مبدأ التواجهية وتبادل المذكرات، مع التزامه باحترام حق الدفاع، دون أن ننسى حق الأطراف في تجريحه داخل أجل حدده القانون، ليصح ما يصفه به الفقه المغربي والمقارن التحكيم بكونه مسطرة قضائية من نوع خاص.
بيد أن الخبير الذي يعطي الأطراف لتقريره قوة إلزامية لا يتبع إبان قيامه بالمهمة المنوطة به من لدن الأطراف  الإجراءات المسطرية المنصوص عليها قانونا، فهو يقوم بمهمته إما بالاستماع إلى كل طرف على حدا أو هما معا بتلقيه لملاحظاتهم أو استنتاجاتهم وإما أن يعتمد التقنية التي يصطلح عليها فنيا بلغة الوثائق ، والتي له من خلالها أن يتثبت من وجود فعل ما، ويحدد آثاره وله في هذا الإطار  أن يعرض على الأطراف مشروعا، إن رأى ذلك ضروريا، قبل أن يمدهم  بتقريره النهائي.
ومن جهة ثانية قد لا تعطي الأطراف الصبغة الإلزامية لتقرير الخبير، فتكون مهمته إبداء رأي محايد حول واقعة الاختلاف، ليكون هذا الرأي وسيلة بين يدي الأطراف للجلوس حول طاولة الحوار من أجل فتح قنوات التفاوض لفض النزاع، أو اللجوء إلى خبرة أخرى لتعميق البحث حول إحدى نقط الخلاف، التي ما زالت عالقة أو الذهاب كما يقع في مجال الحسابات إلى التدقيق فيها.
ليتضح مما سبق أن مهمة الخبير تختلف باختلاف نوعية ودرجة السلطات التي تمنحها له الأطراف لتتأرجح قيمتها ما بين الإلزامية والاستشارية والتي على ضوئها يختلف وصف المهمة فتتصف أحيانا بالتقرير وأحيانا أخرى بالرأي أو الاستشارة، ففي حالة الأثر الملزم قد يوضع حد للخلاف أو النزاع، أو يفتح المجال أمام أحد الأطراف حسب ما يقتضيه القانون للطعن في ذلك التقرير الملزم وتفادي تنفيذه ضده.

بقلم: ذ/طارق زهير: محام بهيأة الدار البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى