fbpx
حوادث

دراسة: قرارات المجلس الأعلى في2011 وتفسيراته الخاطئة

عبدالمجيد خشيــع
المجلس جاء باجتهادات معـاكـسة لاختصاصات قضاة التحقـيق والغرفة الجنحية

بعـد اطـلاعـي عـلـى مـجمـوعـة مـن قـرارات الـمجلـس الأعـلـى بـالغـرفـة الجـنائـية خـلال سـنة 2011 ، تـبيـن لـي بـكـل وضـوح ، نـزعـته المـفـاجـئـة نـحـو فـرض تـوجـه جـديـد عـلـى قـضـاة الـتحـقـيـق والغـرف الجـنحـية الاستـئـنافـيـة ضـدا عـلـى القـانـون ، وفـي خـرق للـمقـتـضيات الـتي نـصت عـليها الـمسطرة الجـنائـية.

من غـريـب الـصـدف أن تـكـون هـذه الـقـرارات صـادرة فــي مـجـمـلـهـا عـن الـغـرفـة نـفـسها مع المحامي العام نـفـسه.
وإذا كـان الهـدف مـنـهـا هـو الـتضـييـف عـلـى اخـتـصـاصـات السـادة قـضـاة الـتحـقـيـق والغـرفـة الجـنحـيـة الاسـتـئنـافـيـة ، فـإنـه كـان حـريـا بـالمشـرع أن يـتـدخـل لـلاستـغـنـاء عـن قـضـاء الـتحـقـيـق ، وفـي أحـسـن الحـالات إلغـاء بعـض المـواد فـي الـمسـطـرة الجـنـائـيـة ، والـتـي تـعـطـي الحـق لـقـضـاة الـتحـقـيـق ، في اصـدار أوامـر بعـدم المتـابعـة.
وقـبـل الـتـطـرق بـتـفـصيـل للـدراسـة لابـد مـن الإشـارة إلـى بـعـض هـذه الـقـرارات كـالـتـالـي:
1 – ملـف عـدد:10264/6/2010 قـرار بـتاريـخ 20/04/2011 قـرار عـدد:282/5 “قاعـده الاقـتـنـاع الجـازم لـثـبـوت الـجـرم لا يـكـون مـطـلـوبـا إلا بـالـنسـبـة للـمحـكـمـة وحـدهـا، أمـا قـاضـي الـتحـقـيـق فـيكـفـيـه قـيـام أدلـة تـبـرر المتـابـعـة ولـولم تـكـن مقـنعـة للإدانة . . “
2 – ملـف عـدد:16254/6/2010 قـرار بـتاريـخ 15/06/2011 قـرارعـدد:570/5 “الـتـأكـد مـن الـفـعـل الـجـرمـي مـن عـدمـه تـخـتـص بـه مـحـكـمـة الـمـوضـوع ، فـي حـيـن أن سـلـطـة الاتـهـام يـكـفـي لـهـا أن يـكـون مـن ضـمـن أوراق المـلـف مـا يـمـكـن اعـتـبـاره بـدايـة حـجـة لـلاتـهـام لـيـس إلا ، والـتـأكـد مـن قـيـام الـدلـيـل عـلـى الإدانـة مـن عـدمـهـا ، يـبـقـى مـن اخـتـصـاص مـحـكـمـة الـمـوضـوع . . . ” …/…
3 – ملـف عـدد:6351/6/5/2009 قـرار بـتـاريـخ 15/06/2011 قـرارعـدد:568/5 “. . إن الـتـأكـد مـن ثـبـوت الـفـعـل الجـرمـي مـن عـدمـه تـخـتـص بـه مـحـكـمـة الـمـوضـوع فـي حـيـن أن سـلـطـة الاتـهـام يـكـفـي لـهـا أن يـكـون مـن ضـمـن أوراق الـمـلـف مـا يـمـكـن اعـتـبـاره بـدايـة حـجـة الاتـهـام لـيـس إلا . . . “
4 – ملـف عـدد:16307/2010 قـرار بـتاريـخ 10/08/2011 قـرار عـدد:1233/7 “أن الـقـول بـأن الأدلـة الـمـعـروضـة غـيـر كـافـيـة للـقـول بـارتـكـاب الـمـطـلـوب فـي الـنـقـض لـلافـعـال الـمـذكـورة ، مـمـا يـكـون قـد قـيـم الأدلـة بـشـكـل يمـس بـمـوضـوع الـدعـوى الـعـمـومـيـة ، بـاعـتـبـار أن ارتـكـاب أو عـدم ارتـكـاب الأفـعـال، يـرجـع لـسـلـطـة قـضـاه الـمـوضـوع . . . “
هـذه الـمـقـتـضـيـات الـتـي أتـى بـهـا الـمـجـلـس الأعـلـى تـسـيـر فـي الاتـجـاه الـمـعـاكـس لـمـا هـو مـنـصـوص عـلـيـهـ قـانـونـا ، فـالـمـجـلـس الأعـلـى يـفـسـر الـقـاعـدة الـقـانـونـيـة ولا يـشـرع لأنـه لـيـس مـن حـقـه ذلـك .
فـي حـيـن أن الـمـادة 216 ق.م.ج تـنـص “يصـدر قـاضـي الـتحـقـيـق أمـرا بـعـدم الـمـتـابـعـة إذا تـبـيـن لـه أن الأفـعـال لا تـخـضـع للـقـانـون الـجـنـائـي أو لـم تـعـد خـاضـعـة لـه ، أو أنـه لـيـسـت هـنـاك أدلـة كـافـيـة ضـد الـمـتـهـم ، أو أن الـفـاعـل ظـل مـجـهـولا . . . . “
فـهـنـاك فـصـل بـيـن سـلـطـات الـمـتـابـعـة (الاتهام) وسـلـطـات الـتـحـقـيـق. ولـضـمـان تـدقـيـق الـبـحـث مـن أجـل الـوصـول إلــى الـحـقـيـقـة ، وحـرصـا عـلـى تـوفـيـر الـقـدر الـلازم مـن حـقـوق الـمـشـتـبـه فـيـه ، تـم إحــداث مـؤسـسـة قـاضـي الـتـحـقـيـق كـسـلـطـة تـحـقـيـق واتـهـام.
فـإذن حـسـب نـص الـمـادة 216 ق.م.ج يـكـون قـاضـي الـتحـقـيـق ومـن بـعـده الـغـرفـة الـجـنـحـيـة (غـرفـة الاتهـام) أمـام الـحـريـة فـي الـعـمـل ، وسـلـطـة الاخـتـبـار ، فـهـو يـصـدر أمـرا بـعـدم الـمـتـابـعـة إذا لـم يـر فـائـدة مـن عـرض الـقـضـيـة عـلـى الـمـحـكمـة بـعـد تـمـحيـصـه لـلأدلـة والـشـبـهـات الـتـي حـامـت حـول ارتـكـاب الجـريـمـة.
فـإذا بـنـى قـاضـي الـتحـقـيـق أمـره بـعـدم الـمـتـابـعـة عـلـى أسـبـاب قـانـونـيـة فـذلـك يـعـني أن الـقـضـيـة أضـحـت فـي حـكـم الـعـدم .

M Alami Machichi ( les Actés juditionnels du juge                  
(d´instruction P 6                                

وبـطـبيـعـة الـحـال هـنـاك فـرق بـيـن أمـر قـاضـي الـتـحـقـيـق بـعـدم الـمـتـابـعـة وبيـن مـقـرر الـحـفـظ الـذي تـصـدره الـنـيـابـة الـعـامـة ، لأن قـرار قـاضـي الـتـحـقـيـق ذو طـبـيـعـة قـضـائـيـة ، بـدلـيـل إمـكـانـيـة اسـتـئـنـافـه وأوجـب الـقـانـون تـنسـيـبـه ، فـي حـيـن أن الـنـيـابـة الـعـامـة تـمـلـك سـلـطـة الـمـلائـمـة بـحـيـث يـمـكـنـهـا أن تـحـفـظ الـقـضـيـة ولـو تـوافـرت أركـان الـجـريـمـة كـامـلـة.
فـقـراءة قـرارات الـمـجـلـس الأعـلـى يتـبـيـن أنـهـا كـانـت تـنـصـب كـلـهـا عـلـى الـقـول بـأن قـاضـي الـتـحـقـيـق والـغـرفـة الـجـنـحـيـة (غـرفـة الاتـهـام) يـكـفـيـهما قـيـام أدلـة تـبـرر الـمـتـابـعـة ولـو لـم تـكـن مـقـنـعـة لـلإدانـة – وأن الـتـأكـد مـن الـفـعـل الـجـرمـي مـن عـدمـه تـخـتـص بـه مـحـكـمـة الـمـوضـوع –
إلا أن قـاضـي الـتحـقـيـق مـلـزم بـأن يـصـدر أمـرا بـعـدم الـمـتـابـعـة إذا تـبـيـن لـه أنـه لـيـسـت هـنـاك أدلـة كـافـيـة ضـد الـمـتـهـم، ويـتـرتـب عـن هـذا وجـوب الإفـراج حـالا عـن الـمـتـهـمـيـن الـمـعـتـقـلـيـن رغـم اسـتـئـنـاف الـنـيـابـة
الـعـامـة ، مـالـم يـكـونـوا مـعـتـقـلـيـن لـسـبـب آخـر ، وانـتـهـاء مـفـعـول الأمـر بـالـوضـع تـحـت الـمـراقـبـة الـقـضـائـيـة.
والـمـشـرع الـمـغـربـي لـمـا نـص عـلـى وجـوب إصـدار قـرار بـعـدم الـمـتـابـعـة حـيـنـمـا تـكـون الأدلـة غـيـر كـافـيـة ، فـإنـه يـكـون قـد أعـطـاه الـحـق فـي إصـدار قـرار عـدم الـمـتـابـعـة ، ويـكـفـيـه مـن خـلال الـتـحـقـيـق أن يـتـبـيـن وجـود أدلـة لـكـنـهـا غـيـر كـافـيـة.
وأن قـانـون الاجـراءات الـجـنـائـيـة الـمـصـري ذهـب فـي نـفـس الاتـجـاه إذ نـصـت الـمادة 154 على ما يلي:
“إذا رأى قـاضـي التـحـقـيـق أن الـواقـعـة لا يـعـاقـب عـلـيـهـا الـقـانـون ، أو أن الأدلـة عـلـى الـمـتـهـم غـيـر كـافـيـة يـصـدر أمـرا بـأن لا وجـه لإقـامـة الـدعـوى ، ويـفـرج عـن الـمـتـهـم الـمـحـبـوس إن لـم يـكـن مـحـبـوسـا لـسـبـب آخـر “
والـسـؤال الـذي يـبـقـى مـطـروحـا مـاذا يـريـد الـمـجـلـس الأعـلـى مـن وراء إصـداره لـهـاتـه الـقـرارات الـمـتـتـابـعـة ومـن غـرفـة أخـرى ، هـل هــي مـحـاولـة  لإلـغـاء الـمـادة 216 ق.م.ج أم غـل يـد قـضـاة الـتـحـقـيـق ومـن بـعـدهـم الـغـرفـة الجـنـحـيـة الاسـتـئـنـافـيـة (غـرفـة الاتهـام) ضـدا عـلـى الـقـانـون ؟

 مـحــام بهيئة الدارالبيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق