مصدره مناهضة كونية حقوق الإنسان وعدم الاعتراف بسمو المواثيق الدولية برز تخوف كبير لدى عدد من الحقوقيين والمحسوبين على جبهة الحداثة في المغرب من احتمال حدوث تراجع في المجال الحقوقي بعد صعود الاسلاميين الى سدة الحكم، خاصة أن الأمر يتعلق بصراع بين تصورين متناقضين، يدعو الأول إلى الانتصار لمبدأ كونية حقوق الانسان وآخر يضع الخصوصية خطا أحمر ضد أي انفتاح حقوقي على الخارج.في ظل دستور جديداعترف الدستور الجديد بكونية حقوق الانسان وبسمو الاتفاقيات الدولية على القوانين الداخلية، إلا أن التناقض يبرز من خلال تنصيصه على وجوب أن تصدر هذه الاتفاقيات في شكل قوانين، بمعنى أن تمر عبر البرلمان الذي يحوز فيه إخوان بنكيران أغلبية المقاعد، وهو ما من شأنه، حسب عدد من الجهات الحقوقية والسياسية، الحد من التوجه الحداثي الذي انخرط فيه المغرب منذ تولي الملك محمد السادس مقاليد الحكم وقيامه بما دعي حينها "ثورة اجتماعية" جسدتها مدونة الأسرة وتلاها قانون الجنسية الذي اعترف للمرأة المتزوجة من أجنبي بحق أبنائها في حمل الجنسية المغربية، ويبقى مطروحا على المغرب المصادقة على اتفاقيات دولية أخرى تكتسي طابعا حقوقيا كونيا كذلك المتعلق بإلغاء عقوبة الإعدام، والتي يتحفظ بشأنها الإسلاميون ويعتبرون أنها تتناقض مع تعاليم الإسلام التي تحث في نظرهم، في جانب منها، على القصاص. كما يلقى رفع جميع أشكال التمييز ضد المرأة الموقف ذاته في نظر الإسلاميين، الذين يرون أن في "استنساخ" جميع المقتضيات الواردة في اتفاقية "سيداو" مساسا مباشرا بالدين الإسلامي، بينما تناضل الهيآت الحقوقية النسائية على وجه الخصوص، من أجل رفع المغرب كل أشكال التحفظ على هذه الاتفاقية، بإقرار كافة مظاهر المساواة بين الجنسين، لأن الحقوق الكونية لا تقبل التجزيء أو الانتقاء. هذا الرأي الذي تدافع عنه الهيآت النسائية وعلمانيو اليسار يرفضه الإسلاميون بشدة، كما عبرت عن ذلك من قبل جمعية الإصلاح والتوحيد، الذراع الدعوي لحزب العدالة والتنمية.موقف الإديولوجية من الديمقراطيةمن جانبها، تتشبث الفعاليات الحقوقية والمدنية بالمغرب بضرورة أن يحسم المغرب مع هذا التناقض وأن يغلب كفة الكونية على الخصوصية في ما يتعلق بحرية المعتقد وإلغاء عقوبة الإعدام، وكذا توسيع مجال الحريات الفردية والجماعية.لا يتردد عدد من الباحثين في اعتبار أن الإديوليوجيا السياسية الدينية لا تتوافق مع الديموقراطية وحقوق الإنسان، نصيبها في ذلك نصيب كل الكليانيات في التاريخ. والسؤال الذي يطرحه هؤلاء يمكن صياغته بالشكل التالي: هل تستطيع الحركات السياسية ذات المرجعية الدينية أن تتوافق مع الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ هذه الإمكانية موجودة كما هو موجود احتمال النكوص والتشدد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه من زواية أخرى، هل هناك من فرصة للتعايش بين الإسلاميين والحداثيين في مطلب كونية حقوق الإنسان؟يرد البعض بأنه يمكن الإدعاء بأن الحركات السياسية ذات المرجعية الدينية، شأنها في ذلك شأن الحركات السياسية الأخرى، مرشحة لأقلمة وتليين إديولوجيتها مع تطور المجتمع، ليس لأنها حربائية بالضرورة، بل لأن وقائع التاريخ لا ترتفع. يبقى أن نتيجة ودرجة هذه الأقلمة وذلك التليين مرهونتان بالتأصيل الثقافي للفكرة الديمقراطية وللنجاح في رفع تحدي التنمية في بلد مثل المغرب. وهو الامتحان الذي يواجهه حزب العدالة والتنمية اليوم.يقول هؤلاء إن تأصيل قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان بالمعنى الكوني المشار إليه أعلاه هي ضمانة خفوت وتلاشي كل الإديولوجيات الكليانية بما فيها الإديولوجيا الدينية. ولهذا فإن إمكانية التطور الإيجابي موجودة كما هو موجود احتمال النكوص والتشدد في انتظار ما ستفسر عملية صعود الإسلاميين إلى دفة الحكم من نتائج على مستوى حقوق الأفراد والجماعات.الموقف غير واضح في المغرب إذن، وكذا عموم العالم العربي، إذ ساهم صعود نجم الإسلاميين في موجة الربيع العربي في بروز تخوف كبير من الردة الفكرية والثقافية للمجتمع، لدى الحداثيين واليسار على وجه الخصوص، سواء تعلق الأمر بتونس أو مصر أو ليبيا أو المغرب، فالتيارات السلفية وباقي أطياف الإسلام السياسي، لا يعترفون بشيء اسمه فصل الدين عن الدولة أو كليانية الحقوق، وحتى التيارات التي تريد الظهور بمظهر "الاعتدال" من بينهم، لا تكف عن مواصلة حربها الخفية والعلنية، بين الفينة والأخرى، ضد الفن والإبداع كما حدث في تونس قبيل الانتخابات بعد عرض قناة "نسمة" لفيلم اعتبره إسلاميو حزب النهضة مسيئا إلى الإسلام، رغم أن أغلبهم لم يروه قط، كما عرفت جامعات تونسية بروز سلفيين يدعون الطالبات إلى ارتداء الحجاب ومنع الاختلاط بين الجنسين في المدرجات...كل المؤشرات تعني أن الإسلاميين قادمون، وأن جبهة المحافظة ستعمل جاهدة على فرض نفسها داخل مؤسسات الدولة وهيآت المجتمع انتصارا لمشروعها أولا وأخيرا، أما نموذج العدالة التركي فيظل معزولا ومرهونا بسياقه التاريخي الذي أنتجه. الــرهــــان الحقــيـــقــــيالرهان الملقى على عاتق حكومة بنكيران حين تشكيلها يمكن تلخيصه كالتالي، هل من الممكن أن يتخلى حزب العدالة والتنمية عن قناعاته السياسية السابقة في كل ما يعني الانفتاح على الموجة الجديدة من حقوق الإنسان، بدءا بحرية المعتقد وانتهاء باحترام التنوع والتعدد الفكري في أكمل أوجهه، أم أن تشبثهم بحدود الشرع والنص سيحول دون ذلك؟ رشيد باحة