إغراق الأسوق بالمواد المهربة والسلطات تغض الطرف بمبررات اجتماعية استفحلت ظاهرة التهريب من جديد ، خلال الشهور الأخيرة، إذ أغرقت السلع المهربة الأسواق المغربية، ولم يعد الأمر يقتصر على المنافذ الحدودية بالشمال، بل تلج هذه السلع إلى المغرب من الجنوب أيضا، خاصة من الحدود المغربية الموريتانية. ويرجع بعض المتتبعين تساهل السلطات مع الظاهرة إلى الربيع العربي، إذ يتم غض الطرف عن هذه النشاطات تحت مبررات اجتماعية بالنظر إلى أنه، يصعب، حاليا، في ظل الحراك الاجتماعي الذي تعرفه عدد من البلدان العربية ومن ضمنها المغرب، التعامل بحزم مع بعض الأنشطة المدرة للدخل رغم أنها غير قانونية، ومن ضمنها التهريب، الذي يؤمن دخلا مباشرا لما يناهز 80 ألف شخص، الذين يلجون بشكل مباشر للمدينتين المحتلتين سبتة ومليلية. وفي هذا الإطار تشير الإحصائيات الإسبانية إلى أن ما بين 3 و 4 آلاف شخص يلجون مدينة سبتة المحتلة يوميا، في حين تستقبل مليلية ما لا يقل عن 5 آلاف شخص ويقصدون هاتين المدينتين من أجل التزود بمختلف المواد والمنتوجات الإسبانية والأسيوية، ليتم تسويقها عبر مختلف مناطق المغرب، ما يمثل مصدر دخل هام لهاتين المدينتين، إذ تشير التقديرات إلى أن أزيد من 70 في المائة من دخل المدينتين يتأتى من نشاطات التهريب. وتتشكل المواد المهربة من العديد من المنتوجات التي تختلف جودتها وأسعارها. ويمكن تقسيم هذه المواد إلى فرعين أساسيين، المنتوجات التي تأتي من البلدان الأسيوية، ويتعلق الأمر أساسا بالمنتوجات الإلكترونية والأجهزة المنزلية الكهربائية، إضافة إلى الهواتف المحمولة، والحواسيب، وقطع الغيار...وبالموازاة مع ذلك هناك، أيضا، المنتوجات الغذائية، التي غالبا ما تكون ذات صنع إسباني، وتضم مختلف الأنواع، إذ تهرب من إسبانيا الفواكه مثل الموز والتفاح الأحمر، والشكولاتة، خاصة الماركة المعروفة ب"ماروخا"، والأجبان، والعصائر، واللحوم المصنعة، والسجائر بمختلف أنواعها. وتجدر الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن بعض المهربين تمكنوا من إدخال، عبر سبتة ومليلية المحتلتين، نوع جديد من السجائر إلى المغرب ويتعلق الأمر بسجائر "ليجوند أمريكان"، المصنوعة في الإمارات العربية المتحدة، علما أن هذا النوع يشكل منافسة حقيقية لسجائر "ماركيز" ذات الصنع المغربي، إذ أن سعر بيع هذه السجائر لا يتعدى 12 درهما، وهو سعر يعتبر منافسا للسعر الذي تسوق به "ماركيز"، ما أثر على مبيعات "ماركيز"، وعلى واردات الرسم المطبق على السجائر.وبالموازاة مع تنوع المنتوجات المهربة، تتنوع المنافذ التي تلج منها هذه المواد، وهي معروفة للجميع، إذ يمكن لأي أحد أن يلاحظ نشاط المهربين وهم يلجون إلى مدينة مليلية ويخرجون منها محملين بمختلف المواد بالنقطة الحدودية بني نصار، وذلك تحت أعين السلطات، الأمر نفسه ينطبق على مدينة الفنيدق، نقطة عبور القادمين من سبتة، إذ يعبر هاتين النقطتين آلاف الأشخاص المحملين بالبضائع، إذ تشير الإحصائيات إلى أن ما لا يقل عن 3 آلاف شخص يعبرون سبتة يوميا. وتمثل هذه النشاطات تهديدا للاقتصاد الوطني، بالنظر إلى أن المنتوجات المهربة تمثل منافسة غير متكافئة للمنتوجات الوطنية، وتهدد مصير النسيج المقاولاتي المهيكل.ورغم غياب إحصائيات مدققة حول الانعكاس الاقتصادي للظاهرة، فإن بعض الدراسات تشير إلى أن رقم معاملات نشاطات التهريب يناهز 15 مليار درهم، ما يمثل أزيد من نصف الصادرات الإسبانية، التي تلج إلى المغرب عبر القنوات القانونية، إذ وصل حجمها الإجمالي، إلى غاية شتنبر الماضي، إلى حوالي 29 مليار درهم. وإضافة إلى انعكاساتها المباشرة على النسيج الإنتاجي الوطني، فإن خزينة الدولة تخسر ملايير الدراهم بسبب هذه الأنشطة. وإذا كانت الجهات المسؤولة عن المراقبة الحدودية تتغاضى عن هذه النشاطات تحت مبررات اجتماعية، من قبيل أن هذه النشاطات تؤمن مناصب شغل وآلاف مناصب الشغل، فإن التهريب بدوره يحرم آلاف المغاربة من مناصب الشغل التي تخلقها المقاولات المهيكلة. وقدرت دراسة حول الموضوع أن التهريب يضيع على المغرب ما يناهز 450 ألف منصب شغل مباشر.وكانت السلطات المغربية، أمام استفحال الظاهرة، اعتمدت العديد من الإجراءات من أجل محاربة هذه الظاهرة وتطويقها، من خلال تكثيف المراقبة وخلق بنيات تحتية بالمناطق الشمالية من أجل تشجيع الاستثمارات بهذه المناطق. ويدخل في هذا الإطار إنشاء الوكالة الوطنية لتنمية المناطق الشمالية، وفتح المنطقة الحرة بطنجة، وميناء طنجة المتوسط. إضافة إلى اعتماد سياسة جمركية تقضي بتخفيض الحقوق الجمركية على بعض المنتوجات، وذلك للحد من تهريبها.وبالفعل، تمكنت الإجراءات مجتمعة من تقليل هذه الظاهرة، خلال خمس سنوات الأخيرة، وحصرها في بعض المناطق والنشاطات. لكن مع الأحداث التي عرفتها مجموعة من البلدان، والمتمثلة في الاحتجاجات الاجتماعية من أجل تحسين الأوضاع، أصبحت السلطات تتغاضى عن هذه الأنشطة في الآونة الأخيرة، ما رفع وتيرة التهريب من جديد، إذ أن هناك العديد من القطاعات الاقتصادية التي أصبحت تتأثر بهذه النشاطات، خاصة قطاعات الاستيراد والصناعات الغذائية المحلية. وفي هذا الصدد راسلت الجمعية المهنية المغربية لمصدري ومستوردي الحبوب والقطاني السلطات المعنية من أجل وضع حد لهذا الوضع، وذلك بعد أن تضررت مصالحها بشكل واضح. وأكدت الجمعية أن ما يناهز 80 في المائة من القطاني التي تروج بالمغرب، تدخل إلى المغرب عبر قنوات التهريب. عبد الواحد كنفاوي