fbpx
حوادث

الطعن القضائي في الأساس الضريبي لإرساء مفهوم جديد

إدارة الضرائب تلجأ إلى أسلوب التسوية الودية مع الملزمين بالضريبة 

يتمتع مفتش الضرائب بسلطة تقديرية في ربط وتأسيس وإصدار ومراقبة الضريبة .ورغم أن هذه السلطة مستمدة مـــن القانون وترتكز عليه، إلا أنها ليست مطلقة، بل لها حدود تقف عندها أو تحد منها أو تضعها على سكة الصـواب. فالمفتش ليس حرا في تضريب من يشاء أو تبرئة من يشاء أو التساهل مع من يشاء،وإلا كنا أمام جريمة اسمها «جريمـة الغدر» المنصوص عليها في المادة الأولى من كل قانون مالي والمعاقب عنها في الفصلين 243 و244 من القانون الجنائي. فكلما أحس الملزم بالضريبة أو الخاضع لها أو المكلف بها أو المدين بها بأن هناك ظلما أو تجاوزا أو سوء تقدير قد طاله من طرف أعوان ومأموري إدارة الضرائب المختصين سواء بتأسيس أو تصحيح الضريبة،وجب عليه أن يوجه تظلما أو طعنا في الموضوع إلى الجهات ذات الصلاحية والنظر.
فقد يوجه الطعن إما للإدارة التي أصدرت الضريبة عن طريق شكاية أو مطالبة مكتوبة وهذا ما يسمى بالتظلم الإداري، وقد يوجه الطعن إلى اللجان الضريبية المحدثة لهذا الغرض من طرف الإدارة والتي تبقى مختصة فقط في المسائل الواقعية دون المسائل القانونية من المنازعة، وقد يرفع الأمر في نهاية المطاف إلى القضاء ليحكم بما يراه مناسبا وفق قناعاته وطبقا للقوانين المطبقة في الميدان.
وكيفما كان الأمر فإن ممارسة التظلم الإداري تبقى مسألة اختيارية رغم التنصيص عليها صراحة في القانون الضريبي،بحيث يمكن اللجوء مباشرة إلى الطعن القضائي دونما حاجة إلى المرور بمسطرة الطعن الإداري أو بمسطرة الطعن أمام اللجان الضريبية، وذلك تمشيا مع المقتضيات الواردة بالمادة 360 من قانون المسطرة المدنية،لأن القضاء يبقى ملاذ الضعيف والمظلوم والباحث عن العدل والإنصاف.
غير أنه لا يمكن تقديم عدة طعون في آن واحد أوفي نفس الوقت أمام المحاكم وأمام اللجان المحلية لتقدير الضريبة أو اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة حسبما جاء في الفقرة الأخيرة من المادة 226 من المدونة العامة للضرائب.
ويمكن التمييز في هذا الصدد بين الطعن القضائي الذي يأتي بعد مطالبة أو شكاية إدارية، والطعن القضائي الذي يأتي عقب تصحيح أو مراقبة ضريبة، لكن الصلح يبقى أفضل الطرق من أجل تسوية جميع النزاعات والخصومات التي قد تحدث مابين الخاضع للضريبة وإدارة الضرائب.
وهذا ما سوف نعالجه من خلال ثلاثة محاور:
1.  الطعن القضائي الذي يأتي بعد مطالبة إدارية.
2.  الطعن القضائي الذي يأتي بعد مراقبة ضريبية.
3.  الصلح أو المصالحة في الميدان الضريبي.
أولا : الطعن القضائي الذي يأتي بعد تظلم إداري :
لايقع التظلم الإداري صحيحا إلا بتوجيه شكاية أو مطالبة مكتوبة إلى المدير العام للضرائب أومن ينوب عنه سواء على الصعيد المركزي أو الجهوي،وذلك وفق الشروط والضوابط المنصوص عليها في المواد من 235 إلى 241 من المدونة العامة للضرائب.
وقد يصدر القرار الإداري بهذا الشأن سواء بإسقاط الضريبة كلا أو بعضا إذا ثبت بعد إعادة التصفية أو الاحتساب أنها زائدة عن المبلغ المستحق، أو أن الأمر يتعلق بضريبة فرضت خطأ أو فرضت لمرتين أو تم فرضها بغير موجب صحيح.
وقد يصدر القرار الإداري برفض الطلب كلما اقتنعت الإدارة بأن الضريبة قد تم فرضها وفق مقتضيات القانون.
وقد يصدر القرار كذلك سواء بالإبراء أو التخفيف من الذعائر والغرامات والزيادات المتعلقة بالوعاء أو التحصيل أوهما معا، والمقررة في النصوص التشريعية الجاري بها العمل.
غير أنه في حالة إذا لم يقبل الخاضع للضريبة بالقرار النهائي الصادر عن الإدارة، جاز له أن يرفع الأمر إلى المحكمة الإدارية المختصة داخل أجل الثلاثين يوما الموالية لتاريخ توصله بالقرار المذكور.
وفي حالة عدم جواب الإدارة داخل أجل الستة أشهر الموالية لتاريخ إيداع التظلم أو الشكاية، أمكن للمدين بالضريبة رفع طلبه مباشرة إلى المحكمة الإدارية صاحبة الاختصاص داخل أجل ثلاثين يوما الموالية لتاريخ انصرام أجل الجواب المشار إليه، كما تنص على ذلك المادة 243 من المدونة العامة للضرائب،لأن سكوت الإدارة أو عدم بتها داخل الأجل يفسر على أنه بمثابة رفض للطلب وبالتالي يتعين البحث عن سبيل آخر للتظلم.
لكن هناك من يعيب على الإدارة تجاهلها للعديد من المطالبات والشكايات التي يتقدم بها المدينون بالضريبة وعدم رغبتها في التراجع عن قراراتها أو على الأقل تعديلها خصوصا بعد إلغاء المصالح المكلفة بالمنازعات الإدارية وإسناد مهامها واختصاصاتها إلى المصالح المكلفة بالوعاء أو المراقبة في إطار ما يسمى «بوحدة الشخص وازدواجية المهام» أي أن المفتش الذي قام بربط الضريبة أو مراقبتها هو من يقوم بالبت في كل منازعة تتعلق بها، حتى تكون مسؤوليته كاملة.
ونحن نقول بأن الإدارة ليست ملزمة بالبت داخل الآجال القانونية المحددة بمقتضى المادة 235 من المدونة العامة للضرائب، وإلا لما قام المشرع بفتح أبواب أخرى للطعن.
هذا بالنسبة للطعن القضائي الذي يأتي بعد مطالبة إدارية، أما بالنسبة للطعن القضائي الذي يأتي بعد تصحيح ضريبي والمحال على اللجان الضريبية المكلفة، فإن الأمر يختلف سواء على مستوى الأجل أو المدة القانونية المسموح بها من أجل الاستفادة من الطعن أو على مستوى شكليات وطبيعة الطعن،وهذا هو موضوع المحور الثاني:
ثانيا : الطعن القضائي الذي يأتي على إثرمراقبة ضريبية:
يمكن للخاضع للضريبة بحسب ما جاء في المادة 242 من المدونة العامة للضرائب أن يطعن أمام المحكمة الإدارية المختصة، في الأساس الضريبي المفروض على إثر قرار نهائي صادر عن اللجنة المحلية لتقدير الضريبة، أو ضد قرار صادر عن اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة، أو على إثر الفرض التلقائي للضريبة بسبب تصريح اللجان المذكورة بعدم الاختصاص.
*مفتش إقليمي للضرائب

ويتم الطعن القضائي في هذه الحالات داخل أجل ستين  يوما الموالية لتاريخ صدور الأمر بالاستخلاص أو الأمر بالتحصيل أو قائمة الإيرادات.
وإذا لم يترتب عن القرار الصادر عن اللجنة المحلية لتقدير الضريبة الذي أصبح نهائيا،أو ذاك الصادر عن اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة، صدور الأمر بالاستخلاص أو الأمر بالتحصيل أو قائمة الإيرادات، أمكن تقديم الطعن القضائي داخل أجل ستين يوما التالية لتاريخ تبليغ قرار اللجان المذكورة إلى الطاعن.
ويمكن لإدارة الضرائب شأنها شأن الخاضع للضريبة أن تلجأ إلى المحكمة الإدارية المختصة داخل نفس الأجل، قصد الطعن في القرارات الصادرة عن اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة، سواء تعلقت هذه القرارات بمسائل واقعية أو قانونية، وكذا في عمليات تصحيح الضرائب التي تم فرضها في نطاق مقتضيات المادتين 221 و 224 من المدونة العامة للضرائب.
وتمثل المديرية العامة للضرائب أمام القضاء، بكيفية صحيحة، مطالبة كانت أو مطلوبا ضدها، بالمدير العام للضرائب أو الشخص المفوض له في ذلك أو المعين لهذا الغرض، والذي يمكنه إن اقتضى الحال أو استدعت الضرورة ذلك، توكيل محام للنيابة عن الإدارة.
وبلغة الأرقام وحسب التقرير السنوي الصادر عن المديرية العامة للضرائب فإن القضايا المعروضة على القضاء الإداري خلال سنة 2009 والتي صدرت لصالح الإدارة تمثل مانسبته 60 في المائة من مجموع الدعاوي المرفوعة ضد الإدارة، وهي نسبة تبدو أقل من القضايا التي صدرت لصالح الإدارة سنة 2008، حيث كانت النسبة 64,60 في المائة. في الوقت الذي عرفت فيه المتابعات القضائية ضد الإدارة ارتفاعا بنسبة11 في المائة لتصل في مجموعها إلى 2434 متابعة مقابل 2192 في العام 2008، ومن بين إجمالي الدعاوي وجهت 375 منها ضد القرارات الصادرة عن اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة، و2059 بمثابة دعاوى عادية.
والملاحظ أن هذه الإحصائيات وإن كانت ولاشك قد أثارت حفيظة الإدارة، فإن هذه الأخيرة عند إعدادها لتلك الإحصائيات لم تأخذ بعين الاعتبار التزايد المستمر لعدد الملفات الضريبية سنة بعد أخرى، وبالتالي مقارنة عدد الدعاوى أو المتابعات القضائية بالعدد الإجمالي للملفات، بحيث كلما ازداد عدد الملفات الضريبية إلا وازداد معه عدد الدعاوى والمتابعات والطعون.
أما بالنسبة لعدد القضايا التي صدرت لصالح الإدارة، فإن التقرير المشار إليه لم يحدد المقصود بهذه القضايا، وهل يتعلق الأمر بالقضايا التي ربحتها الإدارة كلا أو تلك التي ربحتها جزئيا فقط، كما أن نسبة 40% المتبقية والتي يفترض أنها صدرت ضد الإدارة أي لصالح الخاضعين للضريبة، تنـم على أن مصالح هؤلاء لا خوف عليها من قضاء حر نزيه ومستقل لا يحابي أي طرف في الدعوى ولو تعلق الأمر بإدارة عمومية ذات سلطات.
خلاصة القول إن اللجوء إلى القضاء لا يمكن أن يتم إلا في الحالات التالية:
عدم قبول أو عدم اقتناع الخاضع للضريبة بالقرار النهائي الصادر عن إدارة الضرائب عند بحثها وبتها في مطالباته.
عدم بت إدارة الضرائب في التظلم الإداري داخل المدة القانونية المحددة لها.
عدم قبول الخاضع للضريبة للقرار الصادر عن اللجنة المحلية لتقرير الضريبة الذي أصبح نهائيا، أو عدم طعنه في القرار الابتدائي الصادر عن اللجنة المذكورة داخل الأجل القانوني.
عدم قبول الخاضع للضريبة والإدارة الضريبية، أحدهما أو كلاهما، للقرار الصادر عن اللجنة الوطنية للنظر في الطعون المتعلقة بالضريبة.
مع ملاحظة هامة وهي أنه يمكن اللجوء إلى القضاء مباشرة من طرف الخاضع للضريبة المتضرر، دونما حاجة إلى التقيد بمسطرة الطعن الإداري أو الطعن أمام اللجان الضريبية.
غير أن هناك من يتفادى اللجوء إلى المحاكم، مفضلا الصلح ـ والصلح خيرـ من أجل تسوية ملفاته الضريبية العالقة مع إدارة الضرائب التي غالبا ما تأخذه بالأحضان وتستجيب له في حدود طلباته، وهذا ما سنتكلم عنه في المحور الثالث والأخير.
ثالثا : التسوية الودية أو الصلح في الميدان الضريبي :
يعتبر الصلح أو التصالح أو المصالحة في الميدان الضريبي من أنجع وأنجح الطرق في فض المنازعات التي قد تحدث بين الخاضع للضريبة والإدارة الضريبية، تمكنهما معا من تجاوز المشاكل وتجنب المعوقات وربح الوقت وتخفيف الضغط سواء عن الإدارة نفسها أو عن اللجان الضريبية أو عن المحاكم الإدارية.
بالرغم من أن الفقه قد وقف من مسألة الصلح الضريبي بين من يقول بعدم جواز إجراء صلح بهذا الشأن، بحجة أن المسائل المتعلقة بالضريبة هي من النظام العام، استنادا إلى مقتضيات المادة 1100 من قانون الالتزامات والعقود، وبين من يقول بجواز المصالحة في المجال الضريبي على اعتبار أن الصلح يساهم في تحسين العلاقة بين الخاضع للضريبة وإدارة الضرائب وإزالة سحب التنافر وتبديد المخاوف بين الطرفين، وذلك في غياب نص قانوني صريح وواضح يمنح أو يبيح إجراء صلح.
ورغم ذلك فإن الواقع العملي قد أثبت أن إدارة الضرائب غالبا ما تلجأ إلى أسلوب التسوية الودية أو التوافقية مع الملزمين بالضريبة،من أجل تصفية العديد من الملفات المتراكمة في الرفوف،خاصة تلك المتعلقة بتصحيح الأساس الضريبي، وذلك بغية ربح الوقت وتفادي الطعون سواء أمام اللجان أو أمام المحاكم،واختصار المسافة من أجل تحصيل جيد وسهل وسريع.
وأعتقد أن هذا لن يتحقق إلا ببناء جسور الثقة وتعزيز علاقة التفاهم والتجاوب والتعاون مابين إدارة الضرائب والملزمين بالضريبة، في إطار من الشفافية التامة والتحلي بروح المسؤولية والمواطنة الضريبية، وتفويض اختصاصات التسوية للمفتشين النزهاء العاملين في الميدان بحكم القرب والإلمام والدراية، بعيدا عن أي مركزية أو تمركز في اتخاذ القرار، بهدف الوصول إلى مفهوم جديد للسلطة الضريبية يبيح للملزمين بالضريبة كل من موقعه وإمكانياته المساهمة في الأعباء العامة دون تنكر أو تنصل أو تملص.

بقلم : المختارالسريدي
  المختارالسريد: يمفتش إقليمي للضرائب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى