حرفيون ومحترفات دعارة ومهندسون يبحثون عن الفردوس المفقود حلوا بالمغرب بحثا عن المال والعيش الكريم بعد أن أضناهم شظف العيش في الأدغال الإفريقية، وأنهكتهم الحروب الأهلية التي ما إن تنتهي حتى تشتعل من جديد... هم أفارقة استوطنوا مدن المغرب، منهم الطلبة ومهندسو المعلوميات وأبناء شخصيات نافذة، وأيضا متسولون، وأصحاب مهن، وحرفيون، وباعة متجولون ومحترفات للدعارة. عالم الأفارقة في البيضاء فريد من نوعه، فكل اللهجات الإفريقية أصبحت هجينة، بعد أن اختلطت بكلمات فرنسية ركيكة و»دارجة» بسيطة، فالأفارقة يجتهدون في التعبير عن معاناتهم، فتراهم يقاومون الغربة بمحاولات للاندماج حتى أن بعضهم أصبحوا يجلسون بالمقاهي، ويلعبون الكرة أسبوعيا مع نظرائهم المغاربة، ويشاركونهم همومهم، ويحيون حفلاتهم الخاصة في إحدى العلب الليلية بكورنيش البيضاء.يقضي محمد (سنغالي الجنسية) نهاره وسط حديقة عمومية بالبيضاء، فقد حل أخيرا ضيفا على أصدقائه، ولم ينجح في الحصول على عمل، فقرر أبناء قبيلته، المستقرون قبله، أن يتكلف بأعباء المنزل، ريثما يندمج ويحصل على عمل. لا يمل محمد من المكوث بالبيت، وأحيانا يتسكع في الشوارع وهدفه الاحتكاك بالمغاربة. ويقول» لا أعرف سوى كلمات قليلة بالعربية.. لقد حللت بالمغرب من أجل الحصول على المال، وقضيت أسابيع طويلة في أيدي شبكات الهجرة، ولا أستطيع عن أحدثكم عن جحيمها، فهي لا توصف، وأنا الآن أنتظر فرصة للعمل أو الهجرة مجددا إلى مدينة سبتة»... ثم يتأهب لمغاردة الحديقة كأنما استعاد ذكريات يحاول نسيانها.هم أربعة أفارقة يقطنون في منزل بحي الألفة بالبيضاء، لكن العدد يتضاعف مرات عديدة، حتى يتحول إلى أشبه بفندق يتوافد إليه الزائرون، ثم يغادرونه ليفسحوا المجال لآخرين، فأواصر «الغربة» جعلت الأفارقة مجتمعا ضيقا، تنتفي فيه كل التقاليد التي يحاولون الالتزام بها في الشارع، إلا أنها تختفي داخل الجدران الإسمنتية للمنزل.تحكي فطيم (إحدى المهاجرات الإفريقيات) أن العيش بين أبناء بلدها داخل المنزل ينسيهم أجواء الفقر والغربة، إذ يحييون تقاليدهم الخاصة، ولا يأبهون في غالب الأحيان بالمحيطين بهم، مما يخلق أحيانا أخرى ردود فعل الجيران، وقد يتطور الأمر إلى شجار وأحيانا تقديم شكايات إلى الشرطة التي ترعب غير الحاصلين على أوراق الإقامة، فهم، مثلا، يمارسون حياتهم الجنسية كما ألفوها هناك، ولا يصومون رمضان، وأحيانا تتعالى موسيقى صاخبة في احتفالاتهم، مما يخلق نوعا من الضيق لدى المغاربة. لجأت فطيم إلى الدعارة من أجل الحصول على المال، إذ ملت من أبناء جلدتها وأصبحت تختار المغاربة الباحثين عن الجنس، ولأنها صريحة إلى أبعد الحدود، فإنها لا تخفي نشاطها، بل ترفض ولوج الأماكن العمومية، فهدفها الحصول على أكبر عدد من الزبناء في اليوم الواحد.حكاية فطيم تثير الشفقة، فقد قدمت إلى المغرب بعد أن خاضت ويلات الهجرة السرية، وتعرضت للاغتصاب أكثر من مرة، سيما حين عجزت عن توفير مبالغ مالية لأفراد شبكة الهجرة السرية، وحين وصلت إلى الدارالبيضاء كانت تصحب معها طفلا صغيرا أنجبته بعد علاقة فاشلة مع إفريقي في الرباط، والآن هي المسؤولة الوحيدة عنه وتستقر مع زميلتها مقابل أداء مبالغ مالية شهريا.تبخر حلم فطيم بالوصول إلى الضفة الشمالية للمغرب، إذ كانت تمني نفسها بالحصول على المال من أجل إعانة أفراد أسرتها المعوزين في بلدها الأم، لكن كل ذلك مجرد أحلام، تقول فطيم التي بدأت الكآبة تسيطر عليها وتدفعها إلى بيع جسدها كل يوم. بات مشهد الأفارقة في البيضاء مألوفا، وولوج عالمهم ليس سهلا، إلا أن بعض الدراهم تدفع أحدهم إلى البوح بمعاناته. ويقول «جاك» (كما يطلق على نفسه) أن أفارقة كثيرين يعيشون في البيضاء، وليس كلهم معوزين يبحثون عن لقمة العيش، بل هناك أبناء شخصيات نافذة يتابعون دراستهم في المعاهد العليا، وهناك متخصصون في المعلوميات، في حين غزت البيضاء فئة من الحرفين نجحت في فتح محلاتها في الأحياء الشعبية.نجح صديق جاك في افتتاح محل لبيع الإكسيسوارات الإفريقية، ويفتخر أن محله يشهد إقبالا ملحوظا، مما دفعه إلى تنويع السلع، فهناك الديكورات والملابس والحلي والمجوهرات، مشيرا إلى أن ما يستهوي المغاربة أكثر غرابة تلك السلع التي تحيل إلى ثقافات متعددة، فلكل بلد وقبيلة إفريقية نفائس تميزها عن أخرى.حكايات الأفارقة لا تنتهي أبدا، فهناك خياط نجح في تعلم فن الخياطة المغربية، وأصبح الآن مشهورا بين الزبونات، نتيجة حسن معاملته، بل هناك نجار وظف خبرته القديمة في نحت الخشب حتى أصبح مشهورا.. قصص عديدة لأجانب اندمجوا داخل المجتمع. خالد العطاوي