قطاعات اقتصادية تأثرت بالحركات الاحتجاجية والاستثمارات الأجنبية في أدنى مستوياتها يعرف المغرب منذ فبراير الماضي تنظيم وقفات احتجاجية منتظمة شكلت ضغطا على المسؤولين عن تدبير الشأن العام بالمغرب، الذين اضطروا إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتفادي ما وقع في بعض البلدان العربية. وفي هذا السياق قررت الحكومة الزيادة في أجور الموظفين ونظام الترقية ومراجعة الحد الأدنى للأجور ورفع الحد الأدنى للتقاعد، وحرصت على الحفاظ على تثبيت الأسعار للحفاظ على القدرة الشرائية للفئات الضعيفة، من خلال رفع ميزانية صندوق المقاصة. كل هذه الإجراءات كلفت المالية العمومية ميزانية ضخمة تقدر بعشرات الملايير من الدراهم.بالموازاة مع ذلك، فإن التظاهرات التي يعرفها الشارع المغربي كان لها انعكاس على المستوى الداخلي، في ما يتعلق بالأنشطة التجارية التي تأثرت بهذه الاحتجاجات، وكذا على المستوى الخارجي من خلال تراجع الاستثمارات الخارجية وإيرادات السياحة.في عنق الزجاجةيتوقع أن يتجاوز عجز الميزانية (الفارق بين موارد الدولة ونفقاتها) 5 في المائة خلال السنة الجارية، وأن يناهز 4 في المائة في أحسن الأحوال خلال السنة المقبلة. ولم تشهد المالية العمومية ضغوطات مثل التي تعرفها حاليا، وذلك بفعل مجموعة من الإجراءات التي اتخذت تحت ضغط الشارع ولم يكن مخططا لها سلفا. وهكذا قررت الحكومة الزيادة في أجور موظفي الدولة والجماعات المحلية بمبلغ إجمالي يعادل 600 درهم، وذلك ابتداء من فاتح ماي 2010، والزيادة في الحد الأدنى للأجور بنسبة 15 في المائة، وذلك وفق جدول زمني، إذ رفع بنسبة 10 في المائة، ابتداء من يوليوز الماضي، و 5 في المائة ابتداء من يناير المقبل، بالنسبة إلى موظفي القطاع العام وإلى يوليوز 2012، في ما يتعلق بأجراء القطاع الخاص، ورفع حصة الترقية الداخلية إلى 30 في المائة، ابتداء من يوليوز الماضي، و33 في المائة في أفق يناير المقبل، إضافة إلى إجراءات أخرى تهم سقف سنوات الترقية، الذي تقرر تقليصه بحوالي النصف.وتقدر كلفة الزيادة في أجور الموظفين والترقية لوحدها بحوالي 15 مليار درهم، في حين أن قرار رفع الحد الأدنى للمعاش إلى 1000 درهم، الذي هم حوالي 611 ألف شخص سيكلف مليار درهم.في السياق ذاته، قررت الحكومة الإبقاء على الأسعار في مستوياتها، خاصة المواد الأساسية، وذلك للحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين وتفادي أي احتقان اجتماعي، عبر صندوق الموازنة المسؤول عن تدبير ميزانية دعم هذه المواد، وذلك رغم الارتفاع الملحوظ لأسعار المواد المدعمة في الأسواق العالمية، ما جعل الحكومة تقرر الزيادة في ميزانية الصندوق بحوالي 15 مليار درهم، وينتظر أن تصل التكلفة خلال السنة الجارية إلى أزيد من 40 مليار درهم. وإذا كانت هذه الإجراءات ستلقى، من دون شك استحسانا من لدن العديد من الفئات الاجتماعية، التي ستستفيد منها، بل إن البعض سيطالب بالمزيد، فإن السؤال المطروح في هذا الباب يتعلق بالآليات التي ستعتمدها الحكومة من أجل تعبئة الموارد الضرورية لتمويل النفقات الإضافية الناتجة عن هذه الإجراءات. فمن خلال المؤشرات يتضح أن هذه الإجراءات كانت متسرعة واتخذت تحت الضغط دون التفكير في حلول جذرية ودائمة للمشاكل الاجتماعية للمغرب، ما يجعلها عبارة عن مسكنات من غير المستبعد أن تكون لها انعكاسات سلبية في المستقبل.فإذا كان المغرب بذل مجهودات كبرى من أجل تقليص الاختلالات الماكرواقتصادية، فإن التكلفة الإضافية للإجراءات المتخذة أثرت بشكل ملحوظ على هذه التوازنات. وفي هذا السياق ومن أجل مواجهة الضغوطات المالية عمدت الخزينة إلى الاقتراض من السوقين الداخلي والخارجي، ما جعل المديونية العمومية تعرف ارتفاعا، إذ أصبحت تمثل أزيد من 51 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي (مجموع الثروات التي ينتجها المغرب خلال سنة). بالموازاة مع ذلك اضطرت الحكومة إلى اللجوء إلى الخوصصة لمواجهة بعض النفقات. ورغم ذلك، فكل المؤشرات تشير إلى أن عجز الميزانية سيصل إلى حدود 5 في المائة خلال السنة الجارية، ولن يقل عن 4 في المائة خلال السنة المقبلة.الاستثمارات في الأدنى وصلت الاستثمارات والقروض الخاصة الأجنبية، خلال ستة أشهر الأولى من السنة الجارية، أدنى مستوياتها خلال العقد الأخير، بالمقارنة مع الفترات ذاتها من السنوات المتعاقبة. ولم تتعد قيمتها الإجمالية عند متم يونيو الماضي 11 مليار درهم (10 مليارات و927 مليونا و 500 ألف درهم)، مسجلة بذلك تراجعا بناقص 15 في المائة، بالمقارنة مع السنة الماضية، التي وصلت خلالها موارد الاستثمارات والقروض الخاصة الأجنبية إلى مايناهز 12 مليارا و 856 مليون درهم. وأرجع المتتبعون هذه الحصيلة إلى عدم تحويل الاستثمارات التي كانت متوقعة في السابق من طرف بلدان المنطقة، إثر الأحداث والوضعية الصعبة التي تعرفها هذه البلدان على غرار إسبانيا، التي تعتبر من المستثمرين الأوائل بالمغرب. ما يعني أن الحملات التي قادها المسؤولون المغاربة في بعض العواصم لم تؤت أكلها حتى الآن، إذ بعد زيارة العاصمة الفرنسية باريس من طرف وفد مغربي في مارس الماضي، قاد صلاح الدين مزوار زيارة إلى نيويورك، العاصمة الاقتصادية بالولايات المتحدة الأمريكية من أجل الترويج للمغرب، كما أطلقت الوكالة المغربية لتنمية الاستثمار حملة تواصلية في عدد من وسائل الإعلام الفرنسية. لكن يبدو، من خلال النتائج المسجلة حاليا، أن هذه الحملات لم تستطع إقناع الفاعلين الاقتصاديين بالبلدان التي شملتها هذه الحملات، بالنظر إلى أن بلدان الاتحاد الأوربي تعاني هزات مالية بسبب الأزمة المالية في اليونان والأزمة الاقتصادية التي تضرب إسبانيا والبرتغال، ما جعل استثمارات بلدان المنطقة تتراجع بالمغرب. وتجدر الإشارة إلى أن الاستثمارات والقروض الخاصة الأجنبية عرفت ما بين 2006 و2008، وتيرة تصاعدية، بالمقارنة بين النصف الأول من كل سنة، إذ انتقلت من 12 مليارا و518 مليون درهم إلى أزيد من 21 مليارا و234 مليون درهم، قبل أن تبدأ في التراجع، إذ تقلصت، خلال 2009، ولم تتجاوز قيمتها الإجمالية 13 مليارا و716 مليون درهم، وواصلت التراجع، خلال السنة الموالية، إذ لم تتعد 12 مليارا و856 مليون درهم، لتستقر خلال ستة أشهر الأولى من السنة الجارية في حدود 11 مليار درهم. عبد الواحد كنفاوي