مافيا تجني ثروات طائلة والدولة تخسر مليارات سنويا ومشاكل تعترض الاستثمار في القطاع تعود التشريعات الخاصة باستغلال مقالع الرمال، إلى سنة 1914، فمقتضيات قانون يعود إلى 5 ماي 1914، مازالت تتحكم في القطاع، وتحدد المسطرة الإدارية والشروط التقنية والتدابير الخاصة التي يتعين التقيد بها قبل فتح المقالع وأثناء استغلالها وإغلاقها، حفاظا على التوازنات البيئية وظروف عيش السكان، كما يحدد الظهير نفسه الهيآت المكلفة بالمراقبة والعقوبات المترتبة عن المخالفات... غير أن التهريب يستمر.. بتاريخ 14 يونيو من السنة الماضية، وجه رئيس الحكومة، عباس الفاسي، رسالة إلى أعضاء الحكومة بشأن ما يعرفه قطاع استغلال المقالع من نهب بسبب ضعف المراقبة. المنشور الذي حمل رقم 2010/6، تضمن مرفقات خاصة بنموذج لكناش التحملات الذي يفترض أن تفرضه القطاعات الوزارية المعنية على العاملين في قطاع استغلال المقالع، وكذا المسطرة التي يجب اعتمادها في دراسة ملفات التصريح بفتح المقالع. قبل إصدار هذا المنشور، أثار الخطاب الملكي لسنة 2009 بمناسبة عيد العرش، قضايا البيئة والتنمية المستدامة وضرورة إعداد ميثاق وطني في الموضوع، من خلال جلسات تشاورية تسمح بتشخيص الواقع ورصد الاختلالات واقتراح البدائل التي من شأنها أن تحد من النهب الذي تعرفه بعض المجالات البيئية، وفي هذا السياق جاءت الدعوة الملكية للحكومة إلى «الانكباب على إعداد ميثاق وطني شامل للبيئة»، يستهدف الحفاظ على مجالاتها ومحمياتها ومواردها الطبيعية، ضمن تنمية شاملة ومستدامة.القوانين تفشل في وقف تنامي الظاهرةمنشور الوزير الأول بشأن استغلال المقالع ومراقبتها، فطن إلى هذه الحقيقة، حين أشار إلى أنه نظرا للتطور العمراني الذي تعرفه بلادنا والأوراش الكبرى التي تواكبه، ولكون المقالع تعتبر المصدر الرئيسي لمواد البناء بمختلف أنواعها، فإن فتحها أصبح في تزايد مستمر، مما أدى إلى انتشار عدد كبير منها بكافة أنواعها عبر مختلف التراب الوطني»، فالقطاع باعتراف الحكومة نفسها يمثل «رهانا ذا أهمية كبرى بالنسبة إلى النسيج الاقتصادي والاجتماعي وذلك من خلال تأمين حاجات البلاد إلى هذه المواد وخلق مناصب الشغل».غير أن الضغط الذي تتعرض له الكثبان الرملية، على الخصوص، حمل الوزير الأول على الإشارة إليها بالاسم في منشوره بالتنبيه إلى ما تعرفه من نهب جراء ضعف المراقبة وتنامي ظاهرة المقالع العشوائية.قطاع الرمال بين الاستثمار و"المافيا"يحدث هذا التداخل بين المشروع وغير المشروع في قطاع استغلال المقالع، التباسا كبيرا بين أصحاب الرخص الذين يستغلونها في الزيادة في الكميات المستخرجة من الرمال في «النوار»، وبين الشركات التي تستثمر في القطاع وتعاني بسبب قوة «مافيا» تهريب الرمال التي عادة ما تكون مسنودة من جهات نافذة أو تكون هي نفسها الجهة النافذة. قبل سنوات كان استخراج واستغلال المقالع في قبضة الدولة، ضمن مجموعة أطلق عليها «جرف الموانئ»، غير أنه ومع تبني المغرب لسياسة الخوصصة وتفويض بعض القطاعات الإنتجاية إلى الخواص، تم بيع المجموعة إلى إحدى المقاولات الوطنية، تدعى «ساترام». عملية البيع تمت في مارس 2007، وقيمة الصفقة وصلت إلى 32 مليارا. تشتغل «جرف الموانئ»، على صيانة الموانئ بالنسبة إلى مستويات رسو البواخر (تفريغ الموانئ من الرمال المترسبة)، كما تشمل المجموعة وحدات تابعة لها تهتم بالداراسات التقنية والأنشطة البحرية، ثم هناك أنشطة استخراج وتسويق الرمال المستخرجة من المقالع (تشرف عليها وحدة «رمال»)، التي تستفيد من مجموعة من الرخص، بناء على اتفاقية وقعتها مع الدولة في يوليوز سنة 2008. الاتفاقية متعددة الأطراف سمحت للشركة، باعتبارها واحدة من المستثمرين في قطاع المقالع الرملية، بالحصول على مجموعة من الرخص لتنفيذ برنامجها غير أنها تصطدم اليوم مع «مافيا» تهريب الرمال التي تتجاوز حصصها السنوية ما هو مرخص لها به. الاتفاقية جرى توقيعها بين شركة «رمال»، كوحدة تابعة لمجموعة «جرف الموانئ» وثلاثة قطاعات وزارية هي التجهيز والنقل والمالية والاقتصاد ثم الصناعة والتجارة والتكنولوجيا الحديثة. بموجب هذه الاتفاقية التزمت المجموعة باستثمار ما قيمته 47 مليار سنتيم، برسم مخطط 2011-2008، في مجالات شراء جارفات حديثة وتشغيل اليد العاملة المغربية وتجديد أسطول الشركة الأم والتجهيز وتوفير معدات تنقيل الرمال، بالمقابل تستفيد مجموعة «جرف الموانئ» من تجديد رخص استغلال المقالع تهم بالأساس أزمور والمهدية ومنح رخص جديدة في كل من المحمدية-جنوب والعرائش، غير أن هذه الأخيرة تعاني مشاكل كبيرة بسبب ضعف الاستغلال وكثافة التهريب بالمنطقة.تنفيذ الاتفاقية الموقعة بين الوزارات الثلاث وشركة «رمال»، التابعة لمجموعة «جرف الموانئ»، التي كانت تمتلكها الدولة قبل خوصصتها، عرف مجموعة من المشاكل بسبب عدم التزام الفاعلين العموميين بتنفيذ بعض مضامينها، خاصة ما يتعلق منها بمنح رخص استغلال مقالع الرمال، بسبب التعارض بين وزير التجهيز والنقل، كريم غلاب، ووزير الصناعة والتجارية والتكنولوجيا الحديثة، أحمد رضا الشامي. بالمقابل، تشير الاتفاقية إلى إحداث لجنة تضم ممثلين عن الوزارات المعنية إلى جانب الشركة، تعقد اجتماعاتها كل نصف شهر للنظر في مشاكل تنفيذ الاتفاقية، لم تر النور بدورها. تهريب الرمال... البقرة الحلوبمافيا الرمال، واحدة من المشاكل التي تعرض تنفيذ الرخص الممنوحة إلى «جرف الموانئ»، فالتهريب المفرط وعدم واحترام القوانين يساهمان إلى حد كبير في تكبد الشركة الوافدة حديثا على القطاع خسائر مالية مهمة. التعقيد المالي للشركة تزيد منه المشاكل التي تعرفها رخصة المحمدية-جنوب، التي لم تتوصل بها «درابور»، رغم أن الاتفاقية التي تمت بموجبها خوصصة قطاع استغلال مقالع الرمال، تنص على أن الشركة كان يفترض أن تستفيد من الرخصة قبل ثلاث سنوات، تنضاف إلى مقالع في المهدية والعرائش وأزمور، قيمة الاستغلال الإجماعية للاتفاقية تخول للشركة تسويق 3.5 مليون متر معكب سنويا.تهريب الرمال لم يعد حالات معزولة، كما أن تناميه يثير مسؤولية السلطات المحلية وباقي المتدخلين المعنيين بالقطاع. المهدية أزمور والعرائش حيث تتواجد ثلاثة مقالع استخراج الرمال، تشكل ثلاث حالات متشابهة لسرقة الرمال وتهريبها خارج الضوابط المعمول بها في المجال، بل إن تسويقها يتم بالمتر معكب رغم أنه كان يفترض أن يتم ذلك على أساس مكيال الطن.الحالة الأولى، في المهدية، ضواحي القنيطرة، وبالضبط في منطقة «الشليحات»، إذ تتعرض لاستنزاف كثيف للرمال. بالمقابل، لا تتعدى عملية الاستخراج التي تقوم بها الشركة المذكورة 300 ألف متر معكب، رغم أن الرخصة الممنوحة لها تخول لها كمية استخراج تصل إلى 600 ألف متر معكب. الحالة الثانية بأزمور، ذلك أن شركة «رمال» لا تنجز أكثر من 400 ألف متر مكعب سنويا من عملية استخراج الرمال، في حين أن الرخصة الموقعة من طرف الوزارة الوصية تمنح للشركة استخراج معدل يصل إلى 500 ألف متر معكب سنويا، غير أن عمليات سرقة الرمال التي تتم بمنطقة «المعاشات» تعيق تفعيل الاتفاقية، بل تلجأ مافيا تهريب الرمال إلى التلاعب عبر ادعاء أن استخراج الرمال متوقف في المقالع، وهي طريقة يلجأ إليها بعض أصحاب الرخص من أجل التهرب من أداء واجبات الدولة بشأن الاستغلال. الحالة الثالثة تعرفها منطقة العرائش، فقد ظهرت أخيرا كواحدة من المناطق التي تحظى بحماية جهات نافذة لمهربي الرمال بالمنطقة، وهو الأمر الذي كان موضوع احتجاج من طرف رئيس الجماعة القروية «لعوامرة»، خلال اجتماع عقد أخيرا بمقر عمالة العرائش، فقد أكد المنتخب الجماعي على وجود تهريب خطير للرمال بالمنطقة، وعدم احترام أصحاب تعاونية للرخص الممنوحة لهم. شركة «رمال» طلبت فتح تحقيق في التهريب المتزايد للرمال بالمنطقة، ما يؤثر سلبا على عملية الاستغلال بالمنطقة، بسبب عدم احترام الضوابط، غير أن للسلطة المحلية رأيا آخر، وتحاول في مرات كثيرة التذرع بالحراك الاجتماعي لفتح الباب أمام تنامي ظاهرة التهريب وتأمينه إلى حين.غياب المراقبة، والتواطؤ واستغلال النفوذ، كلها علامات تشجع تنامي ظاهرة تهريب الرمال، غير أن المشترك بين الحالات الثلاث أن المهربين يتوفرون على رخص قانونية بشأن استغلال المقالع، لكنهم لا يكتفون بذلك لأن الجشع والربح السريع اللذين يوفرهما القطاع يحولان الرخصة القانونية إلى «رخصة للتهريب». خسائر الدولة من تهريب الرمالتشير بعض التقارير حول ظاهرة التهريب التي تعرفها المقالع بالمغرب، إلى أن الدولة تخسر سنويا ما يقارب مليار درهم في مجال استخراج الرمال، في حين تخسر ميزانية الدولة 5 مليارات درهم سنويا بسبب تهريب الكرانيت.هذه الأرقام تشير إلى أن الدولة تدفع الثمن غاليا بسبب اقتصاد الريع ومنح الرخص إلى بعض العاملين في مجال استغلال المقالع ممن لا يحترمون الكميات المرخصة للاستخراج سنويا. التقارير نفسها، تشير إلى أن انتشار ظاهرة "النوار" في بيع الرمال، على سبيل المثال، لها انعكاس سلبي على كلفة إنجاز السكن للفئات محدودة الدخل، فالأمر يتعلق بواحدة من المواد الأساسية في البناء يتم تصريفها في السوق السوداء إلى المنعشين العقاريين، الذين يفرضون بدورهم "النوار" غير المقتطع من الثمن الحقيقي للشقق عند البيع، ما يعني أن سلسلة إنتاج السكن في المغرب تخضع لمنطق النوار الذي يؤدي ثمنه في نهاية السلسلة المواطن المغربي.وتشير الدراسات إلى أن المغرب في حاجة إلى 20 مليون متر معكب سنويا من الرمال تخصص لقطاع البناء، والأوراش والبنية التحتية. غير أن المعاملات الجارية في قطاع البناء وحده تكشف أن حجم الخسائر التي تتكبدها ميزانية الدولة يبلغ حوالي مليار درهم سنويا، بسبب ظاهرة تهريب الرمال. "النوار" واحد من المظاهر التي ارتبطت بالتهريب في قطاع استغلال المقالع. بعض المتتبعين يعتبرون أن "النوار" في قطاع البناء مرده إلى وجود هذه الظاهرة ضمن مسلسل إنتاج السكن في المغرب. بالمقابل، يزيد من حدة هذا الوضع غياب التنافسية بين "مافيا" تهريب الرمال والشركات التي تشتغل بصفة قانونية في القطاع. إحسان الحافظي